ثمّة حقيقةٌ يَغفُل عنها جُمهورُ مَن يُؤرِّخ لظاهرة الإلحاد المعاصر، وقد تَسَرَّبَت إلى طَيَّاتِ المقالِ المُشارِ إليهِ أدناهُ عن غَفْلَةٍ من كاتبتهِ، ودُونَ أن تَفْطَنَ لِمَا خَطَّتْهُ يَداهَا. وإحقاقًا لإنصافِ العقل؛ أُقَدِّمُ بين يَدَيْكَ -أيها القارئ- رابطَ المقالِ لتطالعَهُ بنفسِك قَبْلَ الشُّرُوعِ في قِراءةِ هذا الرَّد.
وبادئَ ذي بَدْءٍ، يجدرُ بنا إرساءُ قاعدةٍ يغفلُ عنها هذا الخطاب؛ إذ ليس الإلحادُ، حقيقةً، ثمرةَ «تطوُّر العقل البشريّ»، ولا هو فاكهةُ نُضجٍ معرفيٍّ بَلَغه الإنسانُ بعد قرونٍ من الطُّفولة الدّينيّة، إنّما هو — بأمانة الوصف — نتاج «غُرور» مُعيَّنٍ تسرّب إلى الوعي الحديث فجَعله يَحسبُ أدواتِه المحدودة كافيةً لاستيعاب الوُجود بأَسْره. ولو شئتُ مُصادرةَ خطابكِ على نحو ما تُصادرين به أنتِ خطاب المؤمنين لقُلت: إنّ الإلحاد المعاصر ابنُ «العَلْمَوية» (Scientism)، أيْ ذلك المذهب الذي يَزعُم اختزالَ كل معرفةٍ مُمكنةٍ في القياس التّجريبيّ، وهو مذهبٌ قد تسرّب إلى ثَنايا مقالكِ من حيث لم تَشعُري؛ إذ كيف ساغَ لكِ أن تَجعلي «اكتمالَ التّفسير العلميّ» مُقدِّمةً أُولى لتفسير ظاهرة الإلحاد، من غير أن تَقفي وَقفةً واحدةً عند السُّؤال البديهيّ: ومَن قال إنّ التّفسير العلميّ يُمكن أن يكون «مُكتمِلًا» بمعنى أنّه يَستنفد كل ما في الوُجود من طبقات؟ هذه مُصادرةٌ كُبرى مَرّت في كلامكِ مُرور الكرام، وهي بعينها الجُرثومة التي تُولِّد ما تَصِفينه في الناس من نُفُورٍ عن الإله.
ثمّ إنّ في كلامكِ مُجازفةً إحصائيّةً إذ تَقُولين إنّ «كثيرين» وجدوا العيشَ بلا إله مُمكنًا «بل مُقنِعًا». فأمّا الإمكان فمُسلَّمٌ به من حيث وقوعُه في الجُملة، وأمّا الإقناع فدَعوى تَفتقر إلى بَيِّنة. وأنا أُجِلّ نفسي عن الاحتكام إلى الأكثريّة لأنّه مَسلكٌ قد ابتذله المَلاحدةُ حتّى صار سِمةً لخطابهم، غير أنّي أَستعيره منهم هُنا للضّرورة الجَدليّة، فمثلًا، تُفيد بياناتُ مركز (Pew) للأبحاث أنّ نحو أربعةٍ وثمانين بالمئة من سُكّان المعمورة يَنتمون إلى دياناتٍ مُعيَّنةٍ، وأنّ الفئة المُسمّاة في الإحصاءات الغربيّة بـ«غير المُنتمين دينيًّا» (Nones) — والتي يَتشبّث بها دُعاة الإلحاد بوصفها دليلَ مدٍّ إلحاديٍّ — يُدرَج فيها بطريقةٍ مُغالطةٍ خَلْطًا فاحشًا بين «المُلحد» و«الرّوحانيّ غير المُتديّن» و«المُنفصل عن المُؤسسة الكَنَسيّة». والدّراسات الدّيموغرافيّة تُؤكِّد أنّ سَوادًا أعظم من هؤلاء يُؤمن بقُوّةٍ عُليا، ويَهرُب من «التّكاليف» المُؤسَّسيّة لا من فكرة الإله. أمّا المُلحدُ الصّريحُ — الذي يَنفي وُجودَ إلهٍ نَفْيًا قاطعًا — فلا تَكاد نسبتُه تَعدُو خانة الآحاد المئويّة عالميًّا. ثمّ إنّ الإسقاطات السُّكّانيّة تُبشِّر — وإن كَرِه الماديّون — بانكماش هذه الفئة لا تَمدُّدها، وأنّ سنة 2050 ستَشهد تراجُعًا نسبيًّا للّادينيّين أمام تَمدُّد الأديان الإبراهيميّة بالخصوص.
وحتّى نَخرُج من جدل الأرقام إلى جدل التّجربة، أَحيلكِ على الدّراسة المنشورة في «المجلّة الأمريكيّة للطّبّ النّفسيّ» سنةَ 2004، التي أثبتت سَريريًّا أنّ اللّادينيّين أقلّ امتلاكًا لِما سَمّته الدّراسة «أسبابَ العيش» (reasons for living)، وأنّ مُعدّلات مُحاولات الانتحار لديهم أعلى بفارقٍ مُعتبرٍ. وهذا شاهدٌ تَجريبيٌّ مَحْضٌ على أنّ الإلحاد الماديّ يَفشل فشلًا ذَريعًا في إمداد الإنسان بحَصانةٍ نفسيّةٍ تُعينه على وَعْثاء الوُجود. فكَيف يُقال — بعد هذا — إنّ العيش بلا إلهٍ صار «مُقنِعًا»؟ إنّما هو مُقنعٌ لمَن يَجلس أمام الشّاشة يُنظِّر، فإذا نَزل إلى مُعترك الألم اكتشف أنّه إنّما كانَ تحت تأثير مخدُّرٍ مُؤقَّتٍ.
في «اكتمال التّفسير العلميّ»
أمّا الحُجّة الأُولى التي تَعرضينها — وهي أنّ تقدُّم العلم سَدّ الفجوات التي كان «الإلهُ» يَملؤها — فتَنبني على تَصوُّرٍ هو من أَسْخف ما يَجري على الألسُن، أعني تَصوُّر «إله الفجوات» (God of the gaps) الذي هوَ تَصوُّرٌ بَرَّاني (Deistic) سَطحيٌّ نَشأ في سياقٍ بروتستانتيٍّ مُعيَّنٍ، ثمّ تلقّفه المَلاحدةُ ليَنسبوه إلى الأديان جَميعًا. والإسلامُ — وهو شأنُ أهل التّحقيق من المُتكلِّمين والفلاسفة — يَجعل الإلهَ «خالقَ النّظام» بأَسْره، أيْ: مُوجِدَ القوانين العلميّة ذاتِها. فاكتشاف الإنسان لآليّة الجاذبيّة لا يَنفي «المُجاذِب»، واكتشافُ شَفرة الحَمض النّوويّ لا يَنفي «الكاتب»، تمامًا كما أنّ تشريحَ مُحرِّك السيّارة وتَفصيلَ احتراق الوَقود فيه لا يُلغي وُجودَ مُهندسٍ وضَعَ تصميمَه. هذا الخَلْط بين «الآليّة» (mechanism) و«الفاعليّة» (agency) من أَفضح المُغالَطات في الخطاب الإلحاديّ المُعاصر، ولا يقولُ بهِ إلا مَن لم يَقرأ شيئًا في الميتافيزيقا.
وأَعجبُ ما في كلامكِ استشهادُكِ بنظريّة الانفجار الكبير، وهي حُجّةٌ تُطلقينها على نَفسكِ من حيث تَحسبينها تُسعفُكِ! فإنّ هذه النّظريّة كانت — يومَ ظهورها — صَفعةً قاصمةً للماديّة الكلاسيكيّة التي قامت قُرونًا على القَول بأَزَلية المادّة وأَبَديّة الكَون؛ ولذلك سَخِرَ كبارُ الفيزيائيّين الماديّين من القَسّ «جُورج لومتر» (Lemaître) صاحب النّظريّة، وَرَمَوْه بأنّه يُهرِّب اللاهوتَ في ثوب الفيزياء، حتّى استسلم العلمُ لِما يَدلّ عليه الرَّصدُ من أنّ للكَون «بدايةً» محدودةً، يَستحيل عقلًا أن تَستغني عن عِلّةٍ خارجةٍ عن المادّة والزّمان والمكان معًا. ومن بابِ أنّ الشيء بالشيء يِذكر، أزيدكِ أنّ حُجّةُ الكَلام الإسلاميّة — التي طوّرها الجُوينيّ والغزاليّ ثمّ أعاد صياغتها في الفلسفة المُعاصرة وِليم لِين كرَيغ تحت اسم «الحُجّة الكَلاميّة الكَوْنيّة» (Kalām Cosmological Argument) — تَنطلق من هذه المُقدِّمة بعينها: ما له بدايةٌ يَفتقر إلى مُحدِثٍ، والكَون له بدايةٌ، فللكَون مُحدِثٌ. وهي اليوم من أَقوى الحُجج الفلسفيّة المُتداوَلة في الجامعات الغربيّة، نُسبت إلى «الكَلام» الإسلاميّ نَسبًا عَلَنيًّا.
أمّا التّطوُّر — حتّى مع التّسليم به آليّةً بيولوجيّةً — فإنّه يَفترض مُسبَقًا وُجودَ مادّةٍ حيّةٍ ذاتِ شَفرةٍ معلوماتيّةٍ بالغةِ التّعقيد، ويَفترض قوانينَ كيميائيّةً وفيزيائيّةً مَضبوطةً بدقّةٍ خُرافيّةٍ تُسمّى في الأَدبيّات العلميّة «الضَّبط الدّقيق» (Fine-tuning) للثّوابت الكَوْنيّة. والعلمُ التّجريبيّ يَقف عاجزًا أمام السُّؤال: مِن أَيْنَ جاءت هذه القوانين؟ ومَن ضَبَطها على هذا النّحو؟ فإنْ قُلتِ: «الصُّدفة»، فقد خَرجتِ من العلم إلى الميتافيزيقا من أَوسع أبوابها، إذ لا سبيل تَجريبيّ إلى إثبات «الصُّدفة الكَوْنيّة الكُبرى».
في «إشكاليّة الشّرّ»
ثمّ تَعرضين «معضلة الشّرّ» على أنّها صَيحةٌ مُعاصرةٌ كَشَفت عَوار الإجابات الدّينيّة. وأنا لا أُنكر شيئًا من البُعد العاطفيّ في المسألة، فالألم البَشريّ حقيقةٌ غاشمةٌ، والصّور المنقولة من الحُروب والمَجاعات تَخدش الفطرةَ خَدْشًا. غير أنّ القول بأنّ هذه الإجابات «لم تَعُد كافيةً» قَولٌ مُجمَل يَخلط بين «الفَشل المنطقيّ» و«العَجز العاطفيّ» للحُجّة. والدّقّة العلميّة تَقتضي التّفريق.
اعلمي — أيّتها الكاتبةُ الفاضلة — أنّ معضلة الشّرّ بصيغتها القديمة (Logical Problem of Evil) التي صاغها أبيقورُ ثمّ أحياها الفيلسوفُ الملحدُ ج. ل. ماكي (Mackie) سنة ١٩٥٥، قد سَقطت سُقوطًا مُدوّيًا في الفلسفة التّحليليّة المُعاصرة، واعترف الماديّون أنفسُهم بسُقوطها. وكان السّاطعَ في إسقاطها الفيلسوفُ ألْفِن پلانتِنغا (Plantinga) في كتابه «الطّبيعة الإلهيّة» (The Nature of Necessity, 1974) عبر ما سَمّاه «دفاع الإرادة الحُرّة» (Free Will Defense)، إذ بَيَّنَ أنّه لا تَناقُضَ منطقيًّا بين قُدرة الإله المُطلقة وخَيْريّته من جهةٍ، ووُجود الشّرّ من جهةٍ أُخرى؛ إذ يُمكن أن يكون خَلْقُ كائناتٍ ذاتِ إرادةٍ حُرّةٍ خَيرًا أعظم يَستلزم السّماحَ بإمكان الشّرّ، وأنّ الإجبار على الخير يُفرِّغ الفضيلةَ من معناها. وقد بَلَغ من قُوّة هذا الدّفاع أنّ الفيلسوف الملحد وِليم رُوْ (Rowe) — وهو من أَلَدّ خُصوم البَراهين الإلهيّة — اعترف صَراحةً بأنّ المُشكلة المنطقيّة لم تَعُد قائمةً، وانسحب الماديّون إلى موقعٍ خَلفيٍّ أَضعفَ بكثيرٍ سَمّوه «المُشكلة القرائنيّة» (Evidential Problem of Evil)، التي لا تَزعُم التّناقُضَ بل تَكتفي بالقول إنّ «كَمّ» الشّرّ يَجعل وُجود الإله «أقلّ احتمالًا». وهذه حُجّةٌ احتماليّةٌ ضَعيفةُ المَأخذ، تَعتمد على قَرائنَ ذاتيّةٍ يَستحيل قياسُها (كَيْف نَزِن «كَمّ» الشّرّ موضوعيًّا في كَون لا نَعرف منه إلّا قَطْرةً؟!).
كما أنّ التقاليدَ الكلاميّة الإسلاميّة — التي أنا معنيةٌ بها — قد عَالجت المسألةَ بأَدواتٍ أَدقّ ممّا تَعرضه الفلسفة المُعاصرة، عبر التّفريق بين «الشّرّ بالذّات» و«الشّرّ بالعَرَض»، وبين «الحِكمة المُدركة» و«الحِكمة المَستورة»، وبين كَون الفعل «شَرًّا في حقّ المخلوق» و«ليس شَرًّا في حقّ الخالق» باعتبار اتِّساع نَظره وضَيق نَظر العَبد. هذه الأَدوات لا يَجُوز رَدُّها بحُجّة أنّها «من القرن العاشر»، فإنّ المنطقَ والفلسفةَ لا تَقادُمَ فيهما؛ إذ المعنى المُحكَم في الحُجّة لا يَفسد بمُرور الزّمن كما تَفسد الأطعمة. ولو طَردتِ هذا المنطق طَردًا لزِمَكِ رَفضُ نَظريّة فيثاغُورس لأنّها من القرن السّادس قبل الميلاد!
في «التّطرُّف الدّينيّ والنّفاق المُؤسسيّ»
وهذه الحُجّة هي أَفسد ما في مقالكِ منهجًا، وأَوضحُه دَلالةً على ازدواج المعيار. إذ تَنسبين إلى الدّين جَرائرَ المُنتسبين إليه ممّن يُخالفون نُصوصَه القَطعيّة، ثمّ تَسكُتين سُكوتَ القُبور عن جَرائر «الفُرسان الأربعة» الذين يُعَدّون رُسُلَ الإلحاد الجديد. وهذا كَيْلٌ بمكيالين تَأنفُ منه أصُول البَحث. ونحنُ نحضر لكِ السِّجلَّ الأخلاقيَّ لهؤلاء النَّفر الذين يَتحدّثون باسم «العقل» و«التّنوير». انظري ريتشارد دوكنز — ساحرُ الإلحاد الجديد وكاهنُه الأكبر — الذي له تصريحاتٌ مُسجَّلةٌ بصَوته يُبرِّر فيها أَشكالًا ممّا سَمّاه «التّحرُّش الخفيف بالأطفال» (mild pedophilia) بدَعوى أنّه «لا يَترُك أَثَرًا نفسيًّا دائمًا»، وله من التّغريدات في العنصريّة ضدّ الشّعوب الإسلاميّة وفي الدّعوة إلى «تحسين النّسل» (Eugenics) ما يَكفي وَحدَه لإسقاط هَيكل تَمَسرُحه الأخلاقيّ. ودونَكِ لورنس كراوس — رفيقُ دوكنز في المنابر — فالرجلُ ثَبتت عليه قَضايا تَحرُّشٍ بطالباتٍ في الجامعة، وفُصل من منصبه الأكاديميّ، وكان ممّن دافع عن الفاجر «جيفري إبستين» المُتّهَم بالاتّجار بالقاصرات والتحرُّشِ بالأطفال؛ وهو نفسُه الذي خَرج في مُناظرته مع الشّاب المسلم حمزة تزرتزس يَتذمّر من استخدامه للمصطلحات الفلسفيّة، ويَرمي الإسلامَ بمُخالفاتٍ أخلاقيّةٍ مَزعومةٍ بفرضِ الحجاب! كذلكَ سام هاريس، كيف يغيبُ عن أيّ منصفٍ ما كَتبه من صَفحاتٍ يُبرِّر فيها التّعذيب القَضائيّ، ويُسوِّغ التّنميطَ العنصريَّ ضدّ المسلمين في المطارات، ويَعرض سيناريوهاتٍ يَستجيز فيها توجيه ضَربةٍ نَوويّةٍ استباقيّةٍ على دَولةٍ إسلاميّةٍ. وانظري كريستوفر هيتشنز، فقد كان من أَشدّ المُهلِّلين لغَزو العراق ولِما تَلاه من سَفك دماء مئات الألوف، باسم «التّنوير» و«تحرير الشُّعوب».
فإذا كان فسادُ بعض المُنتسبين إلى الدّين سَببًا كافيًا — في مَنطقكِ — لتَركه، فإنّ فسادَ هؤلاء الرّموز يَجب أن يكون سَببًا أَوْفى وأَكْفى لرَفض الإلحاد رَفضًا مُبْرَمًا. والحقُّ أنّ المعيار في كلا المَوقفين خاطئٌ، فإنّ المذهبَ يُحاكَم بنُصوصه ومُقدِّماته العقليّة، لا بسُلوك المُنتسبين إليه. والفَرق العَميق بين الموقفين أنّ الإسلامَ يَملك مَرجعيّةً نَصّيّةً ثابتةً تُدين المُتطرِّفَ والفاسدَ والكاذبَ بِنَصّها، فيُحاكَم المُسلم المُتطرِّف بِسَيف دينه نفسه. وأمّا الإلحادُ الماديّ فلا يَملك أيَّ مَرجعيّةٍ أخلاقيّةٍ مَوضوعيّةٍ يُحاكَم إليها مُنتسبوه؛ إذ الأخلاقُ عنده مُجرّد إفرازٍ تَطوُّريٍّ عَصبيٍّ أو عَقدٍ اجتماعيٍّ مُتغيِّر. فعلى أيِّ ميزانٍ، إذن، يُدان دوكنز إذا قال إنّ التّحرُّش بالأطفال «لا يَضرّ»؟ ميزانُ مَن؟ وأين هو هذا الميزان في كَون محكومٍ بالعَدم لا غاية له ولا قَيد؟
ولَعمري، إنّ المادّيّةَ الصّارمة — لو أَخذها أصحابُها على مَحامِلها المنطقيّة — لانتهت بهم إلى أنّ مَفاهيمَ «الفساد» و«الظّلم» و«المُعاناة» التي بَنيتِ عليها فصولًا من مقالكِ مَفاهيمُ لا معنى لها أصلًا، إذ ما هي إلّا تَفاعُلاتٌ كيميائيّةٌ كَهرَبائيّةٌ في أَنسجةٍ عَصبيّةٍ صَدفيّة. فإنّكِ تَستعيرين من المُعجم الدّينيّ مَفاهيمَ الكَرامة والمَعنى والظُّلم لتَنتقدي بها الدّينَ نفسَه، وهذا أَلَدّ تناقُضٍ عَرفته الفلسفةُ المعاصرة، وقد فَضحه، بالمُناسبة، الفيلسوف ألسدير ماك إنتاير (MacIntyre) في كتابه «بَعد الفضيلة» (After Virtue).
في «الفردانيّة وثقافة الذّات»
في هذه النُّقطة أَقترب منكِ مُوافِقةً، فإنّكِ شَخّصتِ شيئًا من المَرض. غير أنّ التّشخيص الكامل يَقتضي القَول إنّ «الفردانيّة الحديثة» ليست مَوقفًا من الإلهِ ابتداءً، إنّما هي مَوقفٌ من «العُبوديّة» بمَعناها الوُجوديّ الشّامل، أَيْ مِن كَون الإنسان مَخلوقًا مُكلَّفًا مَردودًا إلى مالكٍ يَجزيه بعمله. ولهذا تَجد القُرآنَ يَصف هذا الصّنف وَصفًا غايةَ في الدّقّة في غير ما آيةٍ، كقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ﴾، وقَوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ ٱلْإِنسَٰنُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُۥ﴾، وقَوله: ﴿أَيَحْسَبُ ٱلْإِنسَٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾. فالفردانيّة المُعاصرة — في حقيقتها الأصلية — استئنافٌ لخَطيئة إبليس الأُولى: «أنا خيرٌ منه»، هي عَيْنُ الكِبر الذي يَأبى الانضواء تحت قانونٍ غَيرِ قانونه. وهذا — ليسَ «اكتمال العلم» — هو بحق الجُرثومة الحقيقيّة للإلحاد المعاصر.
في «ضَعف الخطاب الدّينيّ المُعاصر»
العجبُ كل العجب أنكِ تَستنكرين «العَودة إلى إجاباتٍ من القرن العاشر». ولأنّكِ — فيما يَظهر — مُسلمةٌ تَكتبين لجُمهورٍ مُسلمٍ، أسألك: ما عَيْبُ القرن العاشر؟ هل تَقدّم العقلُ البَشَريُّ في الفلسفة تقدُّمَه في الميكانيكا؟ كلّا. الإشكالاتُ الميتافيزيقيّة الكُبرى — في النُّبوّة، والصّفات الإلهيّة، والقَدر، والتّحسين والتّقبيح، ومسألة الشّرّ، وعِلاقة الذّات بالصّفات، وحُدوث العالم — كُلُّها قد عُولِجت في كُتُب القاضي عبد الجبّار، والباقلّانيّ، والجُوينيّ، والغزاليّ، وابن حَزم، والرّازيّ، وابن تيميّة، بأَدواتٍ منطقيّةٍ ولُغويّةٍ بالغةِ الصَّقل، يَعجز عن مُجاراتها كثيرٌ من المُعاصرين. والشّاهد على هذا أنّ الفلسفة الدّينيّة التّحليليّة المُعاصرة في الجامعات الغربيّة — على يَد ألفِن پلانتِنغا، ووِليم لِين كرَيغ، وريتشارد سوينبرن — قد رَجعت إلى حُجج المُتكلِّمين المسلمين بأسمائها العَلَميّة كما أسلفنا في «حُجّة الكَلام الكَوْنيّة». فمَن يَستنكف من «إجابات القرن العاشر» إنّما يَستنكف عن المُحاسبة العقليّة الصّارمة، ويَطلب لنفسه مُسكِّنًا عاطفيًّا يُسمّى «خِطابًا مُعاصرًا».
والشّابُّ الذي يَشكو أنّ الخِطاب الدّينيّ «لا يَتحدّث لُغته» إنّما يَشكو في الحقيقة أنّه لم يَكلِّف نفسه عَناءَ تَعلُّم لُغة العلم الشّرعيّ، وأنّه أَدمن «الرِّيلز» و«التّيك توك» حتّى صار لا يَحتمل صَفحةً واحدةً من «المَواقف» للإيجيّ أو «الإرشاد» للجُوينيّ. والعجب أنّ الواحدَ منهم يَدّعي أنّه «يَبحث» وهو لم يَفتح كتابًا قطّ، وإنّما اكتفى بمُتابعة «قُصَيّ البيطار» على يوتيوب، أو الإصغاء لمقطعٍ مُختزَلٍ من مُحاضرة لسام هاريس مَترجمةً ترجمةً ركيكةً.
في «فضاءات النّقاش المفتوحة»
وهذه نُقطةٌ أُحبّ أن أَلتفت إليها لُمحةً. فأنتِ تَصفين الإنترنت بأنّه أَتاح للمُلحد «أَهلًا» يَنتمي إليهم كما كان للمُؤمن جَماعتُه. وهذا وإن كان قولًا صائبًا سُوسيولوجيًّا إلى حدٍ ما، لكنّه لا يَنقُل النّقاشَ من «معرفة الحقّ» إلى «شعور الانتماء». بل إنني، لو أذِن لي القارئ الكريمُ بالتكلف قليلًا في التحليل، لقلتُ إنّ الانتماء هذا يُعزى إلى كونِ هذه المواقع «غُرَف صدى» (Echo Chambers) يَتجمّع فيها الهاربون من الاستحقاق العقليّ، ليُعزّز بعضُهم لبعضٍ وُهْمَ التفوّق. فهم لم يَجتمعوا على حقيقةٍ وُجوديّةٍ يَبنون بها عِمارة الأرض، بل اجتمعوا على الهَدم، وعلى التّذمّر المُشترَك، والسُّخرية من المُقدَّسات؛ والحقُّ أنّ الانتماءَ القائمَ على «العَدمِ» والرَّفضِ المُجرَّد، إنّما هو انتماءٌ هشٌّ يَزيد الرُّوحَ وحشةً على وحشتها.
والإنترنت بطبيعته فضاءٌ يَزدهر فيه الخطابُ المُختصَرُ المُثيرُ عِوضًا عن الخطابِ المُحقَّق المَدلَّل، ولهذا تَجد العَوامَّ — مُسلمين ومَلاحدةً — يَتفاعلون مع المقاطع القصيرة ذات «الإفحام» الدّعائيّ، ويَنفرون من النَّفَس الطّويل في البَحث. ولهذا حينَ يُقال إنّ «شابًّا ذكيًّا بهاتفه يَستطيع نَقْدَ الدّين من ألف زاوية»، لا يخطر لي سوى أنّه يَستطيع جَمْعَ ألف شُبهةٍ مُختصَرة، دون أن يقدِر على تَحقيقِ مسألةٍ واحدةٍ. والفَرق بين الجَمع والتّحقيق هو الفرق بين رَصِّ الحَجارة وبناء القَصر.
ثمَّ ختمتِ مقالكِ بدَعوةٍ بَلاغيّةٍ مُؤثِّرةٍ إلى خِطابٍ «أَكثر صِدقًا مع أسئلة الإنسان وأقدَر على احتمال الشّكّ والعَيش مع الغموض». وهذه كَلمةُ حقٍّ أُريد بها باطل، لأنّ في باطنها من الانهزام المَعرفيِّ ما فيها. فإنّ الشّكَّ في تاريخ الفلسفة، خصوصًا الدينية، مَحطّةٌ انتقاليّةٌ، يَعبُر بها الإنسانُ من تَقليدٍ غافلٍ إلى يَقينٍ مُحقَّقٍ، ولم تجعلهُ الفلسفةُ قطّ غايةً تُستوطن وتتخذ مَقامًا. أذكر لكِ على سبيلِ المثال «حجة الإسلام» (في سِفره العظيم «المُنقذُ من الظلال») شَكَّ وسَعى في البحثِ والنَّظر حتّى رَدّه الله بِنُورٍ قَذفه في قَلبه. أمّا تَحويلُ الشّكِّ إلى أسلوب حياةٍ دائمٍ، فهو ما سَمّاه طه عبد الرّحمن «التّسيُّبَ التّداوُليَّ»، وهو يَنتهي بصاحبه إلى عَدميّةٍ مُقَنَّعةٍ تُتاجر بِلَفظ «الغُموض» على حساب الحقّ.
فالدينُ ليس مَطلوبًا منه أن «يَتماهى» مع شُكوك المُراهق المُتأثِّر بمقاطع يوتيوب القصيرة، ولا أن يَتلوّى ليُلائمَ نَزواتِ كل عَصرٍ، فالحَقّ ثابتٌ، والصّوابُ قارٌّ، وإنّما المَطلوب من المُكلَّف أن يَرتفع إلى الحَقّ ذاتِه لا أن يُنزِله إلى مُستواه هوَ. فإذا قيل «جَدِّدوا الدّينَ» وكان المُرادُ تَنقيحَ الفَهم وتَجديدَ العَرض، قُلنا: هذا حقٌّ مَحمودٌ، وسعيٌّ مشكور. لكنّ ذاتَ اللفظة قد يُرادُ بها أحيانًا أُخرى — وهذا الغالبُ في الخطابات الدَّاعيةِ إلى التماهي مع الإلحاد المُعاصر والأنظمة الوضعية — التّنازُلُ عن النُّصوص لتُلائم رُوحَ العصر، وهذا تَحريفٌ مَذمومٌ يَأنف منه كل ذي عقلٍ. مُجددًا، أتمثل برجالٍ من تُراثنا، فهذا ابنُ تيميّة — على خِلاف ما يُشاع عنه من جُمود — كانَ بحقّ من أَجرأ المُجدِّدين، غير أنّه جَدّد بعَودةٍ إلى الأصل لا بانفصالٍ عنه.
إنَّ المشكلةَ الكُبرى، عندي على الأقل، تتجاوزُ ظاهرةَ الإلحادِ بحدّ ذاتها؛ لتستقرَّ في داءِ «التّقليد» الذي صار سُنّةَ العَصر؛ فالإنسانُ المُعاصر قد أَدمن تأجيرَ عَقله، تارةً يُسلِّمه لشيخٍ يُقلّده تقليدَ الأَعمى، وتارةً يَنبطح أمام فيزيائيٍّ يَظنّه نبيًّا، وتارةً يَتبع كاتبًا في «سَبستاك» يَحسبه فَيلسوفًا! وتَبقى الحقيقةُ التي لا يُنكرها عاقل، حقيقةُ أنّ العلم التّجريبيّ يقفُ أخرسَ خارجَ نِطاق المادّة والقياس، تمامًا كما تَقف سُلطةُ «إمامِ مسجدِ الحارة» خَرساءَ أمام مُعادلات ميكانيكا الكَمّ. ولهذا فإنّ مَن يَخْلِطُ بين السُّلطتين، فيجعلُ العالِمَ الطّبيعيَّ مَرجعًا في الإلهيّات، أو يَجعلُ الفقيهَ مَرجعًا في الفيزياء النّوويّة، فقد ظَلَم نفسَه وأوردها مَوارِدَ الجَهل.
ومسك الختام، وخير الكلام، آيات بينات من كلام ذي الجلال والجمال، والعظمة والكمال، رب الخلق والأمر، والقاهر فوق كل قهر، الغني في كبريائه، المتفرد في عزته وعليائه، من ذلت لهيبته الرقاب، وهفت لمحبته الألباب، المعبود حبًا وإجلالًا، والمقصود خضوعًا وابتهالًا، جلّ في ذاته، وتقدّس في صفاته، القائل -عزّ من قائل- في محكم تنزيله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَٰكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرْهَٰنَ لَهُۥ بِهِۦ فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْكَٰفِرُونَ﴾


سلمتِ
وفي المقال المُشار إليه مايشبه الدور في الاستناد إلى أفكار ونماذج متحيزة ابتداءً، مثل النموذج الأكاديمي والعلمي الذي يتبع الطبيعية المنهجية وهي تقوم على فلسفة استبعادية؛ تستبعد كل التفسيرات الدينية أو ما تعتبرها "غير مادية ولا تجريبية".. وكذلك فيه اجترار "للاستعلاء" الفكري والعقلي، وهو أمر أشارت بعض الدراسات لبطلانه،، فكثير من الملحدين واللادينيين ليسوا أذكى ولا أكثر عقلانية وانفتاح بل وُجدت نتائج تدعم العكس
فضلًا عن الخلط بين المستويات العقلية والنفسية واعتبارها أمر واحد ونمط واحد ويؤدي بالضرورة لنتيجة واحدة
عظيم ما قرأته، نفع الله بك الإسلام والمسلمين