لماذا نكره من يمسك ماله؟
اجمعْ حول مائدةٍ واحدةٍ تاجرًا هولنديًّا، وبدويًّا نجديًّا، وفلاحًا من أرياف الصين، ثم سَلْهم عن معنى «الكرم»، ستخرجُ، بلا شكٍ، بثلاث حكاياتٍ يُكذّبُ بعضُها بعضًا. فقد يقولُ لك الأوّل: «إنّه حسابٌ مضبوطٌ، وبه يقسم ثمنُ العشاء بالسنتيمات على نحو تامٍ وعادل»، ويجيبكَ الثاني: «بل هو نحرُ الناقة وإحراقُ الخيمة لتدفئة الضيف لو اقتضى المقام!»، ويزيدُ الثالث: «بل إنّ أسمى مظاهر الكرم والعطاء هديّةٌ ملفوفةٌ بورقٍ أحمر تُرَدّ مرّتَين، من ناحية المبدأ، ثم تُقبَل في الثالثة». وبالتأكيد ستكتب على ورقةِ التحليل: «اختلفت الألسنُ والعاداتُ في رسم حدود هذه الفضيلة ومقدارها وصورتها، لكن كلها تتفقّ على تحسينها».
والآن، اطرح على ضيوفك هذا السؤال: «أيّكم يطيب له أن يُدعى بخيلًا؟» وستراهم — على تباين ألوانهم وأمزجتهم وأديانهم — قد أطبقوا على النّفور إطباقَ رجلٍ واحد.
إذن، فحتى أولئك الذين نرى في صميمِ عاداتِهم بخلًا محضًا — في عُرفنا نحن القادمونَ من خلفيّةٍ عدّت هذه الأبيات مفخرةً:
أَوْقِدْ فَإِنَّ اللَّيْلَ لَيْلٌ قَرُّ
وَالرِّيحَ يَا مَوْقِدُ رِيحٌ صِرُّ
عَسى يَرى نارَكَ مَن يَمُرُّ
إِن جَلَبَت ضَيفاً فَأَنتَ حُرُّ —
يفرّون من اللفظ كما يفرُّ العاقلُ من السيف. فإذا كان النّاسُ قد اختلفوا في كلّ شيء واتّفقوا على ذمّ «البخل»، أفلا يحقُّ لنا، هنا، أن نسأل: ما الذي في هذه الكلمة جعلها مَنبوذةً على ألسنة البشر أجمعين؟ ولماذا، في الحقيقة، صار البخل سيّئًا إلى هذا الحدّ؟
ينقل لنا الجاحظ عن سهل بن هارون (خطيبِ البخلاء وفيلسوفِهم)، دفاعَه عن قبضة اليد، فيقول:
وليس من أصل الأدب، ولا في ترتيب الحكم، ولا في عادات القادة، ولا في تدبير السادة، أن يستوي في نفيس المأكول، وغريب المشروب، وثمين الملبوس، وخطير المركوب، والناعم من كل فنّ، واللباب من كل شكل، التابع والمتبوع، والسيد والمسود، كما لا تستوي مواضعهم في المجلس، ومواقع أسمائهم في العنوانات، وما يستقبلون به من التحيات. وكيف وهم لا يفقدون، من ذلك، وما يفقد القادر، ولا يكترثون له اكتراث العارف. من شاء أطعم كلبه الدجاج المسمّن وأعلف حماره السمسم المقشّر…. وقلت لكم، بالشفقة مني عليكم، وبحسن النظر لكم وبحفظكم لآبائكم، ولما يحب في جواركم، وفي ممالحتكم، وملابستكم: أنتم في دار الآفات، والجوائح غير مأمونات؛ فإن أحاطت بمال أحدكم آفة، لم يرجع الى بقية؛ فأحرزوا النعمة باختلاف الأمكنة، فإن البليّة لا تجري في الجميع إلا مع موت الجميع.
وقد يعترض عليّ قائلٌ — وهو محقّ — أنّ سهلًا إنّما مدح البخلَ لأنّه كان شعوبيًّا يرى الكرمَ صفةً لصيقةً بالعرب، فنقده لها راجعٌ في أصله إلى نِحلته وعصبيّته، وهذا اعتراضٌ في محلّه وفيهِ نظر. لكنّ الجاحظ ينقلُ لنا أيضًا عن الكندي، فيلسوفُ العرب وطبيبها وموسيقيّها الحاذق المعروف! فيقولُ أبو يوسف:
تسمّون من منع المال من وجوه الخطأ، وحصّنه خوفا من الغيلة، وحفظه إشفاقا من الذلّة بخيلا، تريدون بذلك ذامه وشينه، وتسمّون من جهل فضل الغنى، ولم يعرف ذلّة الفقر، وأعطى في السرف، وتهاون بالخطأ، وابتذل النعمة، وأهان نفسه بإكرام غيره جوادا، تريدون بذلك حمده ومدحه؟ فاتهموا على أنفسكم من قدّمكم على نفسه. فإنّ من أخطأ على نفسه، فهو أجدر أن يخطيء على غيره، ومن أخطأ في ظاهر دنياه وفيما يوجد في العين، كان أجدر أن يخطيء في باطن دينه وفيما يوجد بالعقل. فمدحتم من مدح صنوف الخطأ، وذممتم من جمع صنوف الصواب. فاحذروهم كلّ الحذر ولا تأمنوهم على حال.
بالطبعِ أنت حُرٌّ، عزيزي القارئ، في أن تُخالف سهلًا والكنديّ معًا، وأن تَطويَ الصفحةَ (منذرًا إيّاي بسوء المنقلب). لكنّك، ما دمتَ قد بلغتَ هذا السطر، صرتَ ملزَمًا بأن تُصغِيَ إلى حجّتي حتى تَفهم لماذا قبلتُ راضيةً دورَ «محامي الشّيطان». فهَب البخيلَ موكِّلي، وقد جلس في قفص الاتّهام والناسُ من حوله يَشحذون ألسنتهم بالسّباب، ودعني أُرافع عنه وأنت اسمع!
سأفتحُ لك أولًا أدنى الباب، هو باب المادّة والطبيعة. سَلِ الأرضَ كلَّها: مَن نجا في عُرف الأحياء؟ أهي النملةُ التي تكدح صيفًا فتدّخر حَبّةً فوق حبّةٍ في جحرها، أم الجُندُب الذي غنّى في الحقول حتى أدركه البرد فمات على نغمته؟ الطبيعةُ — أيّها السادة — قاضيةٌ منحازةٌ بالكلّيّة إلى المُدّخِر. تقول حضرةُ الطبيعة: «إنّ السّنجابُ الذي يَحشو خدّيه بالبندق ويدفنه في مئة موضعٍ يَعبُر الشتاءَ ضاحكًا مُستبشرًا، والكريمُ من السناجب — لو وُجد، وقد شهدتُ منهم رهطًا كثيرًا، فلا تعجب! — يُطعِم رفاقَه ثم يَفطِس جوعًا في ديسمبر». ودعك من السناجب والجنادب وانظر إلى جسدك أنت، أيّها المُترفِّع على البخلاء! إنّه أبخلُ بخيلٍ عرفتْه الدنيا! هو ذا يُخزِّن الشّحمَ على البطن والوَرِكَين تحسُّبًا لمجاعةٍ قد تأتي وقد تتأخّر، ويَضِنّ بكلّ سُعرةٍ حراريّةٍ، وخلاياك، كذلك، تَقبِض على جُزيئات الطاقة أشدّ من قبضة موكلي المسكين على الدرهم. فإذا كانت الحياةُ نفسُها قد بُنيت على مبدأ الاقتصاد والادّخار والضّنّ بالمَوارد، فبأيّ منطقٍ ترى البخلَ خروجًا على نظام الكون، وهو عَينُ النّظام الذي تجري عليه كلّ خليّةٍ في بدنك؟
ثم مِن أين جاءت الأممُ بثرواتها؟ أتُراها جاءت من المُبذّرين الذين أنفقوا كلّ ما مَلَكتْ أيديهم على الولائم والعطايا، أم من أولئك المُقتّرين الذين أمسكوا ودَّخروا واستثمروا الفلسَ ليصير دينارًا؟ أكادُ أجزمُ أنَّ كلُّ مصنعٍ قام، وكلّ سفينةٍ مَخَرت البحر، وكلّ جامعةٍ شُيّدت، إنّما وُلِدت من رَحِم استهلاكٍ مؤجَّل، من لقمةٍ امتنع عنها صاحبُها — المسكين — اليومَ ليأكلها أولادُه غدًا أرغد، بل لتأكلَ أنت أيها الساخط، في بعض الحالات. فالبخيلُ بطلٌ صامتٌ ومحاربٌ نبيل! ثمّ إنّ هذا الكريمَ، لو دقّقتَ وأنصفتَ، كثيرًا ما يَجود بمالٍ اقترضه من بخيلٍ، فكيف يَنصرفُ الثناءُ كلُّه إلى يد الكريم المعطية، ويَبقى البخيلُ المُقرِض في الظلّ يتجرّع نُكرانًا فوق نُكران. أليس في هذا من الظلم ما يستوجب إعادةَ النّظر في توزيع الأوسمة؟
ومذ ذكرنا الكرم، أدعوك لتتأمّل في طبيعته، أعني حين يَستعرض صاحبُه عطاءه أمام الملأ، فيَنحَر ويُولِم ويُغدِق وعينُه على عيون النّاظرين تَرقُب الإعجاب. أليس هذا في حقيقته ذَيلَ طاووس، وريشًا فاخرًا، وضربًا من الخبل يَحمله صاحبُه ليقول للقطيع: «انظروا كم أَملِك من الفائض حتى أُبدّده أمامكم!» نعم، الكرمُ رسالةُ قوّةٍ ومُفاخَرةٍ ملفوفةٌ بحرير مسروقٍ هو حريرُ الفضيلة، وثمنُها الباهظ هو عينُ المقصود، إذ كلّما غَلا المُهدَى ارتفع قَدرُ المُهدي في سوق الجاه. أمّا البخيلُ، فهو الكائنُ الصّادقُ الوحيدُ في هذا المسرح كلِّه، فهو إنسانٌ أبى أن يَلعب لُعبةَ الزّهو المُكلِفة، وامتنع عن شراء إعجاب الغرباء بقُوت عياله، وقَنِع بأن يكون فقيرًا في عيون النّاس غنيًّا في صندوقه. أتُراه جَبانًا أم شُجاعًا، من يَحتمل أن يُلقَّب باللئيم في سبيل أن يَصدُق مع نفسه؟
ولعلّك الآن تَنتفض قائلًا: «دَعكِ من الطبيعة والاقتصاد، فأنتِ مسلمةٌ وأنا أُلزمك بهذا، فالدّينُ قد ذمّ البخل ذمًّا صريحًا!» لكن على رِسلك، فإنّ الكتاب الذي ذمّ الإمساكَ قد جعل المُبذّرين إخوانًا للشياطين، ووصف اليدَ المبسوطةَ كلَّ البسط بأنّها تَقعد بصاحبها مَلومًا محسورًا، يقولُ لنا الكتابُ العزيز: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾. فالإمساكُ المُفرِط بلا شكٍ مذمومٌ، لكنّ البسطَ المُفرِط مذمومٌ كذلك، فليتَ شعري، لماذا لا نرى منكم حملةً على السخافةِ البسطية كحملتكم على موكلي؟ ثم سَل نفسك، وأجب بإنصاف: مَن أقربُ إلى هذا الوسط المطلوبِ في الآية، أهو الرجلُ الذي يَميل قليلًا إلى الحَيطة والادّخار فيَبقى مالُه مَصونًا وعيالُه في غِنى، أم صاحبكم الذي يُبدّد في ليلةٍ ميراثَ جَدّه ثم يُصبح عالةً على النّاس يَمُدّ يدَه إليهم؟ فالدّينُ سمّى المُبذّرَ أخًا للشيطان صراحًا بواحًا، وأمّا المُقتِّرُ فغايةُ ما ناله أنّه خالف الأَولى. فإن كان لا بدّ من زلّةٍ، أوليست زلّةُ من يُشبه إخوانَ الشياطين أفدحَ من زلّة من يُحسِن حِفظَ النّعمة التي اؤتُمن عليها؟
ما البخيلُ في جوهره إلّا رجلٌ نَظَر إلى الدنيا فرآها على حقيقتها، دارَ آفاتٍ وجوائحَ، كما قال لك سهلٌ آنفًا، شِتاءٌ آتٍ لا محالة، ومَرَضٌ مُتربّصٌ، وشيخوخةٌ تَقرع الباب، وأبناءٌ سيَرِثون فقرَ أبيهم لو فرّط. فالبخيلُ مُتشائمٌ صادقٌ، وفيلسوفٌ عَبوسٌ يَعرف أنّ المجاعةَ أقربُ مِمّا نظنّ، وأنّ الزّمان دُوَلٌ، وأنّ اليدَ الفارغةَ غدًا أشدُّ مَهانةً من اليد المقبوضة اليوم. أمّا الكريمُ المُبذّر، فمتفائلٌ حالمٌ يَعيش كأنّه ضمنَ أنّ الصّيفَ أبديٌّ والحقولَ لا تُحصَد، يُغنّي مع الجُندُب نشيدَ الوفرة حتى يُباغته الثّلج. فلو كان التّفاؤلُ الأحمقُ فضيلةً، والتّشاؤمُ الحكيمُ رذيلةً، فقد قُلِبت المَوازين حقًّا! والبخيلُ — موكّلي المسكينُ هذا الجالسُ في القفص — إنّما جنى عليه أنّه قَدَّرَ الغدَ حقَّ قدره، فعاقبه النّاسُ على بُعد نظره بأقبح الألقاب.
في خدمة من يعمل عقلك؟
لا أدري، بعد كلّ ما سَقتُه، أَأقنعتُك بموكّلي البخيل أم خَرجتَ من المرافعة وأنت أشدُّ نُفورًا منه أوّلَ ما دخلت؟ غير أنّ الأمر، في الحقيقة، لا يَعنيني كثيرًا، إذ لم يكن غرضي قطّ أن تُحبَّ البخلَ أو تَكرهه. ما رأيتَه أعلاه، عزيزي القارئ، ليس منطقًا، أو بعبارةٍ أدقّ، ليس منطقًا بالمعنى النّبيل الذي يُقرَن فيه بالعقل والبرهان، وليس سَفسطةً خالصةً كذلك. إنّما هو شأنٌ سماهُ المُحدثون «العَقلَنة» (rationalization). دعكَ من سؤالِ الكرم والبخل واختلاف الطبائع، ولنسأل: كيف يُوظَّف العقلُ مُرتزِقًا في خدمة الهَوى؟
انظر أوّلًا في حالِ رجُلَين كلاهما يزعمُ إقامة البراهين ورصفَ الحُجج. والأوّل عالمٌ ربما وقفَ أمام مسألةٍ مجهولةٍ فراح يجمعُ الأدلّةَ ثمّ يَتبعها حيث ساقته، صادقًا مع نتيجتها ولو خالفت هواه وأطاحت بنظريّةٍ أفنى عُمرَه في بنائها. والثاني محامٍ تَسلَّم القضيّةَ وليسَ يشغلُ عقله سوى بفكرةٍ مؤداها أنّ موكِّله بريءٌ، وكلّ ما تبقّى تفصيلٌ في كيفيّة إثبات هذه البراءة المُقرَّرة سلفًا. لا شكَّ أنّ كلاهما معملٌ للعقل، لكنّ اتّجاه السّهم مَعكوسٌ تمامًا. أعني أنّهُ في حالِ العالم، ينطلقُ السهمُ من الأدلّة فيَستقرّ حيث شاء عند النتيجة، أمَا المحامي فالنتيجةُ مستقرةٌ باسترخاءٍ تام على العرش أوّلًا، والدليلُ مرسلٌ كخادمٍ ليس لهُ شغلٌ سوى أن يلتمسَ لها حاجتها (ما يُزيّنها ويُسوّغها). فلبُّ العقلنةِ، إذا اختصرنا، أن تكون محاميًا.
ولهذا كان دفاعي عن البخل أنموذجًا صالحًا للنّظر. فأنا لم أَستقرئ النملةَ والسّنجابَ وخلايا البدن ثم أَنتهِ مُضطرةً إلى تبرئة البخيل؛ بل بدأتُ من النّتيجة المطلوبة — أي تبرئتُه — ثم جُلتُ في أرجاء الكون أَلتقط كلّ ما يَصلُح شاهدًا لها. ولو كُلّفتُ بالضّدّ، بإدانة البخيل، لَوجدتُ في النملة نفسها وفي السّنجاب ذاته — الذي قدّمت لنا الطبيعة خبره — ما يُدينه، أَوليست النّملةُ كادحةً بائسةً سَجينةَ جُحرها، والسّنجابُ مَهووسًا قَلِقًا يَنبش الأرضَ مائةَ مرّةٍ بحثًا عن بُندقةٍ نَسِيَ مَوضِعها وربما تلقّفها سنجابٌ آخر؟ فالعالَمُ غنيٌّ بالشّواهد إلى حدٍّ يَسمح لك أن تُثبت به وضدّه، فمن سبَق إلى قلبه حُكمٌ وجَد في الكون كلِّه محاميًا مُتطوّعًا مُفلقًا.
ولا بد، مع إقامة كل ما سلف، أن نَفصِل بين العَقلنة والكذب. الكَذِب صنعةٌ شريفةٌ نسبيًّا، إن جاز هذا الوصف، لأنّ الكاذب يَعرف الحقيقةَ ويَتعمّد سَترَها، فثَمّةَ في داخله «ضوءٌ» يَعلم أنّه يُخفيه. أمّا المُعقلِن فأشدُّ غَوْرًا وأخطر، لأنّه يَخدع نفسَه قبل أن يَخدع غيرَه، بل لعلّه لا يَخدع غيرَه أصلًا ويَقصُر كلّ مكره على ذاته. ولك أن تتَخيّل رجلًا أكل الرّبا فاغتنى، ثم جلس يُقنع نفسَه أنّه إنّما يَخدم الاقتصادَ ويُنعِش السّوق ويُيسّر على المُحتاجين. هذا الرجلُ صادقٌ مع نفسه في ظاهر الأمر، فهو يُصدّق ما يقول، ويَنام قريرَ العين. إذن فالكاذبُ، في معظم الأحوال، يَحمل عبءَ سرٍّ ثقيل، أما المُعقلِن فقد تخفّف منه باكرًا إذ نَجح في إقناع القاضي الدّاخليّ ببراءته فأَطفأ الضّوء بيده. فأيّهما، في تقديرك، أَعصى على الإصلاح؟
وهذا القاضي الدّاخليّ، أعني العقلَ الذي نَحتكم إليه ونَحسبه نزيهًا فوق الشُّبهات، هو ذاتُه المُتّهَمُ. قال ديفيد هيوم: «إنّ العقل عبدٌ للأهواء، ولا ينبغي له أن يَطمع في غير ذلك». وربما يظنّ كثيرون أنّ في هذا الكلام مبالغةً جَدليّة، لكنَّ عِلمُ النّفس المعاصر يقولُ لك: «الحقيقةُ أنّ في هذه المقولة نظر». وقد رسم بعضُ الباحثين صورة بديعةٌ في تصوير الحال، فنفسُك فيلٌ ضخمٌ يَمشي حيث يَهوى، وعقلُك راكبٌ صغيرٌ يَجلس على ظهره مُمسكًا بالعِنان مُتوهِّمًا أنّه يَقوده. فإذا انحرف الفيلُ يَمنةً، سارع الرّاكبُ (عقلك) يُلفّق التّفسيراتِ: «نعم، قَصدتُ أن نَنعطف يَمنةً، فالطريقُ هنا أَيسرُ والمنظرُ أَجمل.» وهو في كلّ ذلك صادقٌ مع نفسه، ولهذا فهو مقتنعٌ أنّه أَصدر الأمرَ والفيلُ أطاعه، وقانعٌ بهذا الظنّ، والحقيقةُ أنّ الفيلَ إنَما مَضى لشأنه.
وأنتَ تأمّل في نفسك حين تُفاضلُ بين سيّارتَين، أو بين منزلَين، أو بين خَطِيبَين. أَتُراك تَجمع المُعطيات في جدولٍ منظم، فتَزِنها بدقة، ثم تَنتظر ما تُسفِر عنه الكِفّتان لتَتبعه مُذعِنًا؟ أم أنّ قلبك قد مال إلى إحداهما في الثّواني الأُولى لأسبابٍ غامضةٍ يصعبُ، بل ربما يمتنعُ، وصفها ثمَّ استدعيتَ بعد ذلكَ عقلَك ليَصوغ لك قائمةً مُحترمةً من «الأسباب الموضوعيّة» لتُبرّر بها ما اختارهُ قلبُك أصلًا؟ كذلك أعمل فكرك حين تَشتري شيئًا ثمينًا لا تَحتاجه، وستَسمع عقلَك يَحسِب لك أنّه «استثمارٌ على المدى الطويل»، وأنّه «يُوفّر في النّهاية»، وأنّك «تَستحقّ أن تُكافئ نفسك». كلُّ هذه جملٌ صحيحةٌ نسبيًا، وكلُّها وُلِدت بعد القرار بلحظات، خادمةً لرغبةٍ سبَقتها بأشواط.
ولعلكَّ تَظنّ أنّ العالِم الكبير والفيلسوف الحاذق أَعصى على هذا الدّاء من العامّيّ البسيط، والحقيقةُ هي العكس تمامًا. إنَّ العَقلنة تَزداد بَراعةً كلّما ازداد صاحبُها ذكاءً. فالعامّيُّ إذا مالت نفسُه إلى رأيٍ عجَز عن تسويره بالحُجج، فبقي رأيُه عاريًا مكشوفًا يَسهُل دَفعُه. أمّا الذّكيُّ فيَملك ترسانةً من البراهين ومخزونًا من الشّواهد ومهارةً في النّظم والتّأليف، فإذا مالت نفسُه إلى رأيٍ بَنى حوله حِصنًا منيعًا من الأدلّة المُحكَمة يَعجِز خَصمُه عن نَقبه. ولستُ أبالغُ إذا قلتُ لك: الذّكاءُ في الحقيقة سلاحٌ، بل سلاحٌ خطيرٌ جدًا، والسّلاحُ بطبعهِ يَخدم من يَحمله أيًّا كانت وِجهتُه وبأيّ صورةٍ يرتضيها. ولهذا قد تَرى أنَّ أعظمَ العقول دافعت عن أَفظع الأهواء بأرصَن الحُجج، حتى لَتعجبُ كيف اجتمع هذا الذّكاءُ المُتوقّد مع ذاك العَمى المُطبِق في ذاتِ الشخص (لأرسطو في هذا الباب عجائب!). والسرُّ أنّ ذكاءه لم يَكن في خدمة الحقيقة في هذِه الحالة بالذات، وإنّما أعملهُ في خدمة ما اشتهاه قلبُه.
وهذه طبيعةُ البشر عمومًا، فالإنصافُ يُكلّفنا جُهدًا مُضنِيًا ونَأتيه نحنُ على مَضضٍ ومُجاهدة، بينما تَنساب العَقلنةُ منّا عفوًا وطبعًا وبغير تكلُّف.
إذن كيف تَملك أن تَقبض على نفسك مُتلبِّسًا بها؟ فالأداةُ التي تَفحص بها قراراتِك هي العقلُ نفسُه، والعقلُ هو المُتّهَمُ الذي ندّعي محاكمتَه. وكلّما ظَننتَ أنّك أَمسكتَ هواك مُتلبِّسًا، تَسلّل الهوى إلى عمليّة الإمساك ذاتها، فصِرتَ تَتباهى بنزاهتك.
ذاكَ مطلبٌ عسير، ومع ذلك، فإنّ في النّفس بقيّةً تُميّز — إذا أَصاخت السّمعَ — بين صوت العالِم وصوت المحامي في داخلها. بلى، ثَمّةَ علاماتٌ خفيّةٌ تَفضح المُعقلِنَ لو راقبها بصدق. منها أنّ المُبرّرات تَأتي دائمًا في الاتّجاه الذي يُريحه، فلو كانت نتائجُ عقله صادفت هواه في كلّ مرّةٍ من غير استثناء، فتلك قرينةٌ على أنّ الهوى هو الذي يَكتب والعقلُ يقرأ له. ومنها شِدّةُ الانفعال عند المُعارَضة، فالباحثُ عن الحقيقة، لو كان صادقًا، يَفرح بمن يُصحّح له خطأه، أمّا المُعقلِن فيَستشيط غضبًا ويعمدُ إلى الشخصنةِ وكأنكَ قذفتهُ في عِرضه، لأنّ الرّأيَ عنده صار جزءًا من ذاته فليسَ يطيقُ صبرًا على حرقة ردّه. ومنها سُرعةُ الجواب، ذاكَ أنَّ من يَملك تبريرًا جاهزًا لكلّ سؤالٍ قبل أن يُكمِل السّائلُ سؤاله حتى، فالغالبُ أنّ التّبريرَ كان مُعدًّا سلفًا، ينتظر بلهفةٍ أيّ سؤالٍ يَستدعيه.
وأنا إذ أَعرض عليك هذا كلَّه، لا أَبغي أن أَدفعك إلى يأسٍ مَعرفيٍّ تَقول معه: «ما دام العقلُ مُرتزِقًا فما جَدوى التّفكير أصلًا؟» فهذه كذلكَ عَقلنةٌ أُخرى يَتذرّع بها الكَسولُ ليَستريح من عناء النّظر. غايتي أن تُدخل في حسابك، كلّما رَفعتَ بناءً من الحُجج والقياساتِ والبراهين، احتمالَ أنّك إنّما تَبني سُورًا حول رغبةٍ سَبقتها، وأن تَسأل نفسك بين الحين والحين السّؤالَ الذي افتتحتُ به: في خدمة من يَعمل عقلُك الآن؟ أَلِكشف ما هو كائنٌ، أم لتزيين ما تُحبّ أن يكون؟ وأجزمُ لك أنَّ مُجرّدَ طرحِ هذا السّؤال، وإن عَجَزنا عن الإجابة عنه إجابةً قاطعةً، يَجعلنا أَقلّ غُرورًا بأحكامنا، وأَرحبَ صدرًا بمن يُخالفنا، وأَقربَ، ولو خُطوةً واحدةً مع عثرة، إلى ذلك العالِم النّزيه الذي يَتبع الدّليل، وأَبعدَ شيئًا فشيئًا عن ذاك المحامي الماكر الذي يَسكن فينا جميعًا ويَترافع باسمنا ونحن غافلون.


بسم الله الرحمان الرحيم
حسب ما أظن فهذه ذات فكرة مغالطة قناص تكساس ان تطلق الرصاصة ثم ترسم على موضعها وهذا حله حسب تجربتي بأن يشك الانسان بالحل فيعمد الى مشكلته و يفككها الى اجزاء ومن الاجزاء يفكك حتى يصل الى الاصل ثم ينطلق من كل جزء بسؤال لماذا الامر يكون بهذا الشكل و ليس بشكل آخر فيخلق افتراضات و احتمالات
وهذا يضمن رؤية المشكلة من كل الأوجه ثم حين التوصل الى حل يعمد الى نفس العملية ويختم الامر و لا أدري ان غاب الأمر عنك أم غاب عني عيب في هذا لا أعلمه اذا كان به عيب فاذكريه تفضلا