حدّثنا أبو ثُمال، قال: لمّا استغرقني المُحال، وأتعبني القيل والقال، مذ أكثرت من تصفُّح مقالاتِ أهل الضلال؛ أخذتني سِنَةٌ من الكرى، فطوى بي النّومُ ما يُرى وما لا يُرى. فانتبهت فإذا أنا في صقعٍ لا تُدركُ أطرافُه، ولا تُحصرُ أوصافُه، أرضُه من هباء، وسماؤه من خيالٍ وعماء.
وإذا بقومٍ وقوفٍ كأنّهم سكارى، يُقلّبون الطَّرف حيارى، فقلتُ لدليلٍ لاح لي في ذلك المقام: ما هذا البلدُ، ومن هؤلاء الأنام؟ فقال: هذا برزخ المتفلسفة، ومناخ أهل الزيغ والسفسطة، إذ لمّا شاء الخلاق العليم، ذو العرش الكريم، قضى بأن يُحبسوا في سجن أوهامهم، ويعذّبوا بما خطته أيمانهم، حتى يأذن -جلّ جلاله- بجمع الخلائق، ويأمر بكشف الحقائق!
فنظرت وأمعنت، فإذا برجلٍ كثُّ الشارب، غائر الحاجب، ينطح جدارًا من جَليد، وما على لسانه إلا: أنا المطرقة، ومُحطّمُ العبيد! فقلتُ: ويحك، من هذا الشقيُّ المأفون؟
قال دليلي: هذا الألماني نيتشه المجنون!
فقلتُ: هل إلى سؤاله من سبيل؟ لأشفي من تخليطِه الغَليل!
فقال الدليل: أنتَ وما شِئت يا أبا ثمال، وإيّاك إيّاك والترفقَ بالمقال.
فدنوتُ منه وقلت: إيييه أيها المُعرض عن نورِ سيده، المُنكرُ لآلاء مُوجِده، أطال سِبالك حتى حجب عنك اليقين؟ أم غلبتك السوداء فأعرضتَ عن سبل المؤمنين؟ ألم تكن بالأمس هادمَ الأصنام؟ والمُتعالي على العوام؟ ويحك! كأن لم تعلُ بالأمس على العباد، وتَصِح في كلِّ واد: «أنا فرعون وشداد، أنا هامان وعاد، أنا الشيطان الأقلف، أنا الذيب الأكلف، أنا البغل الحرون، أنا الحرب الزبون، أنا الجمل الهايج، أنا الكركدن المعالج، أنا الفيل المغتلم، أنا الدهر المضطرم، لو عضني الفرس لضرس، ولو كلمني إبليس لخرس، ولو رآني العفريت لخنس، من ينطق بعد هذا؟»، فما فعل بك الرحمن، يا أوحد الزمان؟
فقال: إليكَ عنّي! فواللهِ إنّي في هذا العذاب، مُنذُ وُوريتُ في التُّراب، بلاءٌ في بلاءٍ من بلاء، ساعةَ فارقت دار الفناء؛ ويُتلى عليّ كلُّ يومٍ هذرُ الصِّبيان، وما يتقولُهُ باسمي رَعاعُ الزَّمان! وكُلّما نشرَ أحدهم مقالةً عني في «سَبستاك»، ضُربت ضربًا مُنكرا على الأوراك، ألفٌ وألفان ومائتان بالأشواك.
ثم قام ينوح: «ألا مفرَّ اليومَ من هذا الكَربِ العظيم، والعذابِ المُقيم؟!»
فقلت: هيهات هيهات، ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾!
فنظر لي شزرًا وقال: محقك الله، ما أخبثك! وما أنتنك وأقبحك! مثلي يذمّه مثلك؟ أي مسلكٍ هذا المسلك؟ هذا وأنت سخنة عين، من بقايا قوم لوطٍ الغابرين، كالكمأة، لا أصل لها ثابت، ولا فرع نابت.
فبهتّ من حدة لسانه، وحصرت من قبيح بيانه، فقلت له -كالمتعجب-: زادك الله عذابًا على عذابك! يا خبيث السبال ماذا بك؟ وما هذا الكبر والغرور؟ وما قولك: أنا الأعظمُ المذكوو؟ إنّي والله لا أرى إلا بَغلًا معقورًا، في خزيهِ ذليلًا مَحصُورًا! وما زِدتَ على أن غدوتَ لِصِبيان العصر مَلعَبَة، ولرعاع الزَّمانِ مَركبة!
فانتفخت أوداجُه، واشتدّ هِياجُه؛ وما كادَ يُتمُّ شكوَاه؛ حتى تخطّفتهُ الزَّبانيةُ من قَفاه! وسحبوهُ سَحْبَ الشَّاة؛ فجعلَ يخورُ في الأغلال، ويصيحُ مُتمثِّلًا بهذا المَقال:
يا معشر القوم الحضورِ
بإمامكم يوم الغديرِ
وبحق قرة عينه المدفون
في قبر النذورِ
اصغوا إليّ وتمموا
بسماع إنشادي سروري
هذا الذي عصر الخنا
في جوف لحيته بجير
فتفضلوا قولوا له
مهلًا سقطت على الخبير!
يا ابن التهالك في الزنا
يا ابن التمرد في الفجور
يا هيضة عرضت لشيخٍ
مقعدٍ زمنٍ ضرير
يا تخمة بعد العشا
في الصوم من تخم السحور
يا نتن رائحة الطبيخ
إذا تغيّر في القدور
يا عثرة القلم المرشش
بين أثناء السطور
يا أربعاءً لا تدور
ويا محاقات الشهور
يا قرحةً في ناظرٍ
غلطوا عليها بالذرور
فتسلخت مع ما يليها
في الجفون من البثور
يا طول حمى الربع تهدم
قوة الشيخ الكبير
فاذا استحالت صالبًا
أصلته في نار السعير
يا ضجرة المحموم بالغدوات
من ماء الشعير
يا حدة الرمد الذي
لا يستفيق من القطور
يا خيبة الأمل الطويل
أغر بالعمر القصير
يا غمة الكنّاس من
شم الذرائر والعبير
يا قعدة في دجلةٍ
والريح تلعب بالجسور
يا جلسة في شمس آب
على التراب بلا حصير
تحت السما والشمس توقد
نارها حر الهجير
يا كل شيء متعبٍ
متعقدٍ صعبٍ عسير
يا ابن الزنا بالحايضات
وقد بعدن من الطهور
يا همة القرد الوضيع
ونكهة الليث الهصور
يا نهشة الأفعى الأصم
وعضة الكلب العقور
يا ذل عانٍ موثقٍ
في القيد مغلولٍ أسير
وقعت عليه بنو كلابٍ
والمشوم بلا خفير
يا ذلة المظلوم أصبح
وهو معدوم النصير
يا فجأة المكروه في اليوم
العبوس القمطرير
يا طلعة الإدبار والخذلان
والشوم المبير
يا حيرة الشيخ الأصم
وحسرة الحدث الضرير
يا حرقة العطشان وقت
الظهر في وسط الهجير
يا عسر مجرى البول لج
بمقعدٍ شنجٍ فقير
يا وحشة الموتى إذا
صاروا إلى ظلم القبور
يا مأتمًا فيه تذال
وجوه ربات الخدور
كلت مقاريض النوائح
فيه من جز الشعور
يا شوم بخت شقية
قد عُمِّرَت عمر النسور
شق القوابل صدعها
عن تسعة مثل البدور
حتى إذا شبوا لها
وتلاحقوا مثل الصقور
وقعت عليهم سترة
بالطول في يوم مطير
فرأتهم ولحومهم
في الدار تجرف بالمرور
ثكلتك أمك هل تحس
بما ارتكبت من الغرور؟!
أراك من خالفته
جهلًا مخالفة النظير
وأرى بعيني لحمك المطبوخ
في نار السعير
في الأرض ما بين السباع
وفي السما بين الطيور
من صفعة منه يبطّ
بها قفا بهرام جور
من ليس يكنس بابه
إلا بلحية أردشير
من دون دون غلامه
رب الخورنق والسدير
من سيفه نقل العصاة
من القصور إلى القبور
مثل السجل كتابه
يبقى إلى يوم النشور
قال أبو ثمال: فما استوفى هِجاءه، حتى صُكَّ بِمِقمعةٍ أخرسَت عواءه، وطارت منها شرارةٌ أيقظتني من المَنام، فانتفضتُ أستعيذُ باللهِ من أضغاثِ الأحلام، وحمدتُ المَولى أن جعلني من أهلِ الإسلام، وعافاني من مَواقفِ الخِزيِ والمَلام!


كيف يمكن للكلام أن يُذاق؟ كيف يمكن للحروف أن تُقتات؟ كيف يمكن أن يكون ألذَّ من "الشوكولاتة"؟
سبحان الله العظيم الذي ذلَّلَ لكِ الحرف والقافية، وجعل لكِ من النظم والبيان مكانًا عزَّ في سماءه العالية.
جعل لكِ المولى اللياذ بذكره بهجتك ومسرّاتك، ولا خيَّب لكِ فيه رجاءك، وقيَّض لكِ من يسعى في حوائجك وخدمتك وأنت في خدرك بين أهلك ومالك.
ما أنتن كلامه و ألأم ما قاله ،حَسِب انه أعلم زمانه وما علم انه أرذل أقرانه ما نقول إلا حمدًا لله على نعمة الاسلام وعلى ترك الزيغ والاوهام