«هذا رَبُّكَ أَنت»
جاء ذِكرُ بني إسرائيل في الكتاب العزيز في أكثرَ من أربعين موضعًا، ولو أضفنا المواضع التي يُشار فيها إليهم بـ«اليهود» و«الذين هادُوا» و«أهل الكتاب» وما جرى مَجراها، لجاوزت المئاتِ. وغايات هذا الذكر متنوعة، فمنه ما جاء على سَبيل التّبكيت والتّقريع بِما اقترفوه من نكوصٍ على الميثاق وتحريفٍ للكَلِم عن مواضعه، ومنه ما ساقَه القرآن مَساق الموعظة والاعتبار لِمَن جاء بعدَهم حتى يَستبينوا سبيلَ المُجرمين فيتجنّبوها، ومنه ما هو محاجَّةٌ ومُجادلةٌ في صَميم العقيدة وما يَتفرّع عنها من تصوُّرات للأُلوهيّة والنُّبوّة والشَّريعة، ومنه ما هو سَردٌ تاريخيٌّ يَستحضر وقائعَ ماضيهم مع أنبيائهم لِيُقام عليهم به الحُجّة في حاضرهم.
﴿رَبَّكَ﴾.
هكذا وردت هذه الكلمة بعَينها مرّةً على لسانِ القوم في شأن البقرة حين أُمِروا بذَبحها فَطفِقوا يَتعنّتون في الأوصاف ﴿ادعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ﴾، وقبلَها في شأن الطّعام لمّا ضَجِروا من المَنِّ والسَّلوى واشتهَت أنفسُهم البَصلَ والفُومَ والعَدَس ﴿ادعُ لَنَا رَبَّكَ يُخرِج لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرضُ﴾، وتَردَّدت في مَواضعَ شَتّى من سياقات الخُروج والتِّيه والابتلاء، حتى لَيَكاد القارئُ يَحسَبُ أنّ القومَ ما تعلّموا في أُمِّيّتهم اللُّغويّة سوى هذا التّركيب وحدَه فأَجرَوه على كل حاجةٍ تَعرِض لهم وكُلِّ أمرٍ يَستجدّ عليهم! وهي صِّيغة تَبدُو في غايةِ الأدب وحُسنِ التلطُّفِ مع مقامِ النُّبوّة. فالقومُ يَتوجّهون إلى نبيِّهم بأن يَكُون لهم وَسيطًا عند ربِّه، فيَسألُه ما يَسألُ عمّا أَشكَلَ عليهم أو استبهَمَ. أَلَيس هذا، في ظاهرِه، توسُّلًا بِبَركةِ الوحي واعترافًا بفضلِ المُرْسَل؟ أَلَيس تأدُّبًا مع جلالِ الرِّسالة حيث يَنزِل القومُ أنفسَهم مَنزلةَ من يَستحيي أن يُنادي ربَّه مُباشرةً فَيستشفِع برسوله؟ بل قد يَذهبُ ظانٌّ (بحُسنِ نية) إلى أبعد من هذا فيَعُدّها من بابِ «الإيمانِ المُهذَّب» الذي يَعرف لكلِّ مقامٍ قَدره ولكلِّ ذي حقٍّ حقَّه!
والحقُّ أنّ فيها مَفتاحًا صغيرًا يَفتح بابًا واسعًا على تركيبةِ العقل العِبْرانيّ في تلك الحِقبة، بل لو ادّعَى مُدَّعٍ أنّ الأمر يَتجاوز الحِقبةَ إلى ما يُمكن وَسمُه بـ«العقل الإسرائيليّ» على امتداده التّاريخيّ، لما جانَبَ الصّوابَ كثيرًا. إذ تلك الإضافةِ المُزدوَجة، أعني إضافةِ الرّبِّ إلى ضميرِ المُخاطَب، وإضافةِ الدُّعاء إلى ضميرِ المُتكلِّمين، يبينان عن مَسافةٍ مَرسومةٍ بدِقةٍ، ومَوقع مَنصوبٍ بِعنايةٍ، في توضيحِ كيف يَتصوّر القائلون أنفسَهم وكيف يَتصوّرون نبيَّهم وكيف يَتصوّرون الرّبَّ.
أوَلَستَ ترى، أيّها القارئ الكريم، أنّ الرَّجلَ منهم لو شاء قولَ «ادعُ رَبَّنَا» لقالها، ولكان في ذلك مُشاركةٌ في الإضافة تَدُلّ على شُعورٍ بالاشتراك في العُبوديّة؟ ولو شاء قولَ «اسأَل لنا ربَّنا» لقالها أيضًا، فكان في الأمر تَواضُعٌ مع تَوحُّدٍ في المَقام بين السّائل والمَسؤول له؟ لكنّهم آثَرُوا هذه الصّياغةَ بعَينها، فأَخرَجُوا أنفسَهم من دائرةِ الرُّبُوبيّة المُباشرة، وأَلقَوا بِعِبءِ الصِّلَة على النبيِّ وحدَه، وكأنّهم يَقُولون له بِلسانِ الحال: «هذا ربُّك أنت، فدَبِّر معه أَمرَنا، أمّا نحن فلَنا شأنٌ آخرُ ومَنزلةٌ أُخرى»!
ثمَّة إصرارٌ عجيبٌ من القومِ على هذه الصِّيغة بإضافةِ الرّبِّ إلى ضمير المُخاطَب: ﴿فَاذهَب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ في ردِّهم على موسى حين دَعاهم إلى دُخول الأرض المُقدّسة، و﴿ادعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ في البقرة والطّعام، و﴿سَل لَنَا رَبَّكَ﴾ في غيرها، حتى لكأنّ في حُلوقهم غُصّةً تَمنعهم من إجراءِ الإضافةِ إلى أنفسهم، فلا يطيقون قولَ «ربَّنا» أو «إلهَنا» على نَحوِ ما يَجري على ألسنةِ المُؤمنين في كلِّ مَوطنٍ من القرآن.
وللبحثِ في سرِّ هذا الإصرار يُحوجنا الأمرُ إلى الرُّجوع إلى ما اعتاده القومُ في أسفارهم، أعني التَّوراةَ التي بأيديهم اليومَ. والقولُ في تحريف هذه الأسفار يَطُولُ ويَتشعّب، ولا يَتّسعُ المَقامُ لتقصّيه، غير أنّ مِمّا استقرّ عند المُحقِّقين من العلماء (بل ومن المُنصِفين من باحثي الغرب في «النّقد الأعلى» للنّصِّ المُقدَّس) أنّ هذه الأسفارَ الخمسةَ لم يَكتُبها موسى عليه السّلامُ، ويَكفي في إبطالِ زَعمِ كتابته إيّاها أنّ الرّجلَ قد وُثِّقَ فيها — بنصِّ سِفر التّثنية في خاتمته — مَوتُه وقَبرُه وأنّ أحدًا «لم يَعرف قبرَه إلى هذا اليوم»، فهل يَكتُب امرُؤٌ خبرَ مَوته ودَفنه ومُرور الأيام على نِسيان قبره؟!
دَع ذلك جانبًا، وتأمّل في صُورة الرّبِّ كما تَتجلّى في تلك الأسفار، تَجِد عَجَبًا. فهو إلهٌ يُرافق بني إسرائيل في تَرحالهم مُرافَقةَ القَرين لِقرينه، ويَنزِل عليهم في عَمودٍ من سَحابٍ نهارًا وعَمودٍ من نارٍ ليلًا (سفر الخروج ١٣: ٢١)، ويَسكُن في خَيمةٍ من شَعرٍ تُنصَب وتُرفَع كما تُنصَب خِيامُهم وتُرفَع. وهو إلهٌ يَتمشّى في الجنّة عند هُبُوب ريحِ النّهار فيَسمعُ آدمُ وزَوجُه وَقعَ خُطاه فيَختبئان منه بين الشَّجَر (سفر التّكوين ٣: ٨)، ثُمَّ هو إلهٌ يَندَم على ما صَنَع، فقد جاء في وَصفه أنّه «حَزِنَ في قلبه» على خَلقِه الإنسانَ في الأرض حتى قال: «أَمحُو الإنسانَ الذي خَلَقتُه عن وَجه الأرض» (سفر التّكوين ٦: ٦-٧)، ويَندَم مرّةً أُخرى على ما أَزمَع إنزالَه ببني إسرائيل من العذاب لمّا تَوسَّط موسى عنده ولاطَفَه في الكلام «فنَدِمَ الرّبُّ على الشّرِّ الذي قال إنّه يَفعله بشعبه» (سفر الخروج ٣٢: ١٤). وهو إلهٌ يَشتمّ رائحةَ القرابين فيَطيب نفسًا، إذ يَقُول السِّفرُ في قُربان نوحٍ: «فتَنسَّمَ الرّبُّ رائحةَ الرِّضا» (سفر التّكوين ٨: ٢١)، فهو ذو أنفٍ يَستروح ومَنخِرٍ يَستطيب! وهو، وهذا أعجبُ، إلهٌ يَستَريحُ ويَستجِمّ من تَعَب الخَلق، فقد «استراح في اليوم السّابع» (سفر التّكوين ٢: ٢)، بل زعمت رواية أُخرى بأنّه «استراح وتنفَّسَ» (سفر الخروج ٣١: ١٧)، وردَّها القرآنُ عليهم فقالَ -عزَّ من قائِل-: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾.
وهو إلهٌ يَغار على شَعبه غَيرةَ الزّوج على زَوجه إذا رَآها تَطرِف بطَرفها إلى سواه، فيَصِف نفسَه مرارًا بأنّه «إلهٌ غَيُورٌ» (سفر الخروج ٢٠: ٥ و٣٤: ١٤)، ويَتوسّل إليهم أن يَرجِعُوا إليه على ألسنةِ أنبيائهم تَوسُّلَ العاشِق المَهجور، حتى تَقرأ في سفر هُوشَع تشبيهَ علاقته بهم بعلاقةِ زَوجٍ خَدَعَته زَوجُه فَزَنَت، وهو يَتقفّاها ويَستعطِفُها ويَعِدُها بالحُليّ والمَتاع لِترجِع إليه (هوشع ٢: ٧-٢٠). وهو إلهٌ يَنزل بنفسه ليَستطلِع خَبرَ الأرض حين بَلَغَه أنّ بني آدم بَنَوا بُرجًا في بابِل: «فنَزَلَ الرّبُّ ليَنظُر المدينةَ والبُرجَ اللّذَين كان بنو آدم يَبنُونَهما» (سفر التّكوين ١١: ٥)، كأنّ عِلمَه بالشّيء يَفتقِر إلى مُعايَنةٍ بَصَريّةٍ ونُزولٍ مَكانيّ! وأَطرَفُ من هذا كلِّه أنّه يُصارِع يَعقوبَ في عُتمَة اللّيل، فيَتجالَدان مُجالَدةَ القِرنَين إلى مَطلَع الفَجر، حتى إذا رأى أنّه «لم يَقدِر عليه ضَرَبَ حُقَّ فَخِذه» ليُفلِتَ من قَبضته، ثم سأله أن يُطلِقَه لأنّ الفَجرَ قد طَلَعَ! (سفر التّكوين ٣٢: ٢٤-٢٨). بل تَبلُغ بكَ الحالُ في سفر القُضاة إلى ما يُسكِتُ اللِّسانَ من الدَّهشة، إذ تَقرأ أنّ الرّبَّ «كان مع يَهُوذا فَمَلَكَ الجَبَل، غيرَ أنّه عَجَزَ عن طَردِ سُكّان الوادي لأنّ لهم مَركباتٍ من حديدٍ» (القضاة ١: ١٩)، فما حِيلةُ ربٍّ أوقَفَته عَجَلاتُ الحديد عن نُصرة أوليائه!
تَأمَّل، وفَّقكَ اللهُ، في هذا المَجموع، وقُل لي: أهذا الإلهُ مَعبودُهم أم عَبدُهم؟ أهو رَبٌّ مُنزَّهٌ في عُلاه، أم قَرينٌ مُلازِمٌ يَجُوبُ معهم القِفارَ ويُقاسِمُهم الرّحيلَ ويُساوِمُهم الرِّضا؟ أهو الذي يَسعَى العبادُ إلى مَرضاته، أم هو الذي يَسعى إلى مَرضاتهم ويُلاحِقُهم بِعَتبه ولَومه ووَعدِه إذا أَعرضوا؟
وأَعتذِرُ للقارئ الكريم إن وَجَدَ في هذا المَبسُوط شيئًا من النَّفَس الجَدَليّ الدِّينيّ، فلعلّ ذلك مِمّا لم يَتوقّعَه من عُنوانٍ وَعَدَه بِنَظرٍ في تفصيلِ الخِطاب الإسرائيليّ في عِبارة ﴿ادعُ لَنَا رَبَّكَ﴾، أعني آيةَ ﴿ادعُ لَنَا رَبَّكَ يُخرِج لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرضُ﴾ بِخُصُوصها. وأَعِدُه بالدُّخول في صَميم هذا التّفصيل في الحال، وإنّما عَرَضتُ ما عَرَضتُ لِيَستبينَ القارئُ أنّ القرآن في ذِكره استِخفافَهم بالله وتَسَفُّلَ تصوُّرهم له لم يكن عليهم مُتَجنِّيًا ولا مُبالِغًا، وإنّما نَطَقَ بالحَقِّ الذي تَشهَدُ به أَسفارُهم نَفسُها، ولأنّ هذا، كما تَرَى، مُتّصلٌ بقولهم «ادعُ لنا رَبَّكَ»، فإنّ مِفتاحَ الفهم في الإضافة، وسِرَّ الإضافة في التّصوُّر، وأَصلَ التّصوُّر في تلك المَورُوثات.
أَرواحٌ لَم تُغادِر مِصر
لقد أَنجَى الله بني إسرائيل من آل فِرعَون، وأَراهُم بأمِّ أَعُينهم آياتٍ تَنخلِع لها القُلوبُ وتَدهَش منها العُقُول، فأبصروا عيانًا عَصًا تَنقلِبُ ثُعبانًا، ويَدًا تَخرُج بَيضاءَ من غير سُوء، وبَحرًا يَنفلِق فِلقَتين كالطَّودِ العظيم حتى مشى الناسُ في قَعره على يَبَسٍ، ثم أطبق على عَدوِّهم الجبّار وهم يَنظرون. ثم لم يَدَعهم سُبحانه بعد ذلك لأنفسهم في فَيافي التّيهِ يَكابِدون الجُوع والظَّمأ، بل استَنزَل عليهم المَنَّ والسَّلوى رِزقًا هَنيئًا يَأتيهم رَغَدًا حيث حلُّوا وارتَحَلوا، وفَجَّر لهم من الحَجَر اثنتَي عَشرَةَ عَيناً قد عَلِمَ كلُّ أُناسٍ مَشرَبَهم، وظَلَّلَ عليهم الغَمامَ في هَجير الصّحراء، إلى ما سوى ذلك من المَعُونات التي أَجراها على يَدَي نبيِّه. وما هو إلّا أن مَضَت أيامٌ مَعدوداتٌ على هذا الإنعام المُترادِف، حتى انطَلَقَت ألسنتُهم متذمرةً: ﴿يَا مُوسَىٰ لَن نَّصبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادعُ لَنَا رَبَّكَ يُخرِج لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرضُ مِن بَقلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾.
ولعلّ مُعتَرضًا يَقُول: وما الضَّيرُ في أن يَمَلَّ قومٌ من طعامٍ واحدٍ يَأكلونه صباحَ مساءٍ على مَدارِ الأيَّام؟ أَوَلَيست هذه عاطفةً بشريّةً تَعرِض للأنفُسِ كلِّها، فيَطلُب ذُو الجَدَة تَنويعَ مَوائده والمَنعَمَ عليه تجديدَ ألوان طعامه؟ والجوابُ أنّ المَلَلَ يَعرِض للبَشَر عُروضًا يَتساوَونَ فيه على الجُملة، وهذا صحيح، ولكنّ انظر وأمحِصِ النَّظر في تَفصيلِ هذه الأَغذية التي استَطابَتها قُلوبُهم وحَنَّت إليها بُطونُهم (بَقلٌ وقِثّاءٌ وفُومٌ وعَدَسٌ وبَصَلٌ) فسمّوا أصنافًا بأَعيانها، مَحدودةً مَعدودةً، اقتَنَصُوها من ذاكرةٍ مَخصوصةٍ استَرجَعَت نَكَهاتٍ وَمَوائدَ بأَوصافها، فلم يَطلُبوا «طعامًا غير المَنّ والسَّلوى» على الإبهام والإطلاق، وإنّما عَيَّنوا تعيينًا، وفَصَّلوا تَفصيلًا، وكأنّ المائدةَ التي اشتَهَوها مَرسومةٌ في أَذهانهم بألوانها ورَوائحها وتَرتيب صُحُونها!
ومن أيِّ أَرضٍ وثبت هذه النَّكَهاتُ؟ ومن أيِّ سَماءٍ هَطَلَت على ذاكرتهم؟ هي، لا جَرَمَ، أَرضُ مصرَ التي خَرَجوا منها بالأَمسِ القَريب، ولمّا كانت مصرُ هي مَوطِنَ عُبوديّتهم الطّويلةِ التي ساموا فيها سُوءَ العذابِ، وذُبِّحَ فيها أبناؤُهم، واستُحيِيَ فيها نِساؤُهم، كان في طلبهم لتلك الخُضَر بأَسمائها كَشفٌ — أيُّ كَشفٍ! — عن حَنينٍ إلى زمن العُبوديّةِ ذاتِه، فالنَّفسُ التي تخرجُ من القَيد بِبَدنها، قد يبقى القَيدُ مُلتَفًّا على رُوحها يَجُرُّها إلى الوَراء كُلَّما هَمَّت بالمَسير إلى الأَمام.
أَتُرانا نُبالِغ في هذا الاستِنباط ونَحمِل اللَّفظَ ما لا يَحتمل؟ الله أَعلم، غير أنّ المُستَقِرّ عند أهل العِلم أنّ القرآنَ كتابٌ لا تَنقضي عَجائبُه، وأنّه ما من كلمةٍ فيه إلّا ولها مَوضِعها الذي وَقَعَت فيه كاملةً تامةً مُدقّّقةً، فلا تَكاد تَنالُ من إحكامِ النَّظمِ شيئًا ولو حَرَّكتَها قَيدَ شَعرة. وأَكبَرُ شاهدٍ على هذا الاستِنباط، شِدّةُ العِتاب الذي عاتَبَهم به موسى عليه السّلامُ في الجَواب: ﴿أَتَستَبدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ﴾؟ فما كان موسى ليَستَنكِرَ عليهم محضَ شَهوةِ تَنويعِ الطّعام لو كانت المَسألةُ مَسألةَ ذَوقٍ ومِزاجٍ، وإنّما استَنكَرَ عليهم استِبدالَ «الأَدنى» بـ«الخَير»، ومَدارُ الأَدنى والأَخيَر على ما هو أَعظمُ من اللِّسانِ والحَنجَرة. كأنّه يَقُول لهم بِلِسانِ التَّقريع: أَتُقدِّمُون ما تَعَوَّدَته بُطونُكم في العُبوديّةِ على ما يَسُوقُه إليكم الرّبُّ في الحُرّيّة؟ أَتؤثِرون فُتاتَ موائدِ الذُّلِّ على رَغَدِ موائدِ العِزّ؟
ثم أَردَفَ بِما يُتِمّ المَعنى ويُكمِل الحُجّة: ﴿اهبِطُوا مِصرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلتُم﴾. ولئن اختَلَفَ المُفسِّرون في المَقصود بـ«مِصرًا» هاهنا، فذَهَبَ فريقٌ إلى أنّها «مصرُ» العَلَمُ المَعروف، وذَهَبَ فريقٌ إلى أنّها «مِصرٌ» من الأَمصار أي بَلَدٌ من البِلدان على الإِبهام. إلَّا أنّ المُستقيمَ في السِّياق والمُلتَئِمُ مع مَنطِق الخِطاب هو الوَجهُ الثاني، إذ الكلمةُ مُنَكَّرةٌ مَنصوبةٌ مُنَوَّنةٌ، ولو أَرادَ العَلَمَ لمنَعَها من الصَّرف كما هي القاعدةُ في أَعلام البُلدان المُؤنَّثة. وبهذا يَتِمّ الخِطابُ على أَتَمِّ ما يَكُون: إن كان هذا مَبلَغَ هِمَمِكم، وإن قَهَرَت بُطونُكم أرواحَكم، فاهبِطوا إلى أيِّ بَلدٍ شِئتم تَجِدوا فيه بَقلَه وقِثّاءَه وبَصَلَه، فإنّ هذه الثِّمارَ تَعُمّ البِلادَ ولا تَختصّ بأَرضِ العُبوديّةِ وحدَها. وإنّما الذي يَختَصّ بتلك الأَرضِ هو العُبوديّةُ نفسُها التي تَحِنُّون إليها من حيث لا تَشعُرُون.
وإنّما بُعِثَ موسى عليه السّلامُ لتَحريرهم من تلك العُبوديّةِ بأَبدانهم وأرواحهم جميعًا، فلمّا رآهم وقد تَحرّرَت أَبدانُهم فيما أَرواحُهم لا تَزال راسِفةً في أَغلالها، استَفظَعَ الأَمرَ وعَظُمَ عليه أن يَرى قَومًا أَخرَجَ الله أَجسادَهم من بَيت الفِرعَون فيما هُم يَستجلِبون بيتَ الفِرعَون في صُدورهم. وهذه هي طبيعةُ النَّفس إذا أَلِفَتِ الأَثقالَ والقُيود؛ تَأنَفُ من الحُرّيّة، وتَستوحِشُ من سَعَتها، وتَحِنُّ إلى المَألوف وإن كان القَيد، وتَفِرّ من المَجهول وإن كان الحرية!
أن تَتّخِذَ مِن النَّبيِّ حِجابًا
دَعوةُ التَّوحيد، في صَميمِ مَقصِدها وأُسِّ بُنيانها، دَعوةٌ تَستَدعي إفرادَ المَعبودِ الواحد بالعِبادة، وإخلاصَ الوَجهِ له دُونَ كُلِّ ما سِواه من المَخلوقات والمَجعولات. وهذه الدّعوة تَستَلزِم أن يَكُونَ مَقامُ العُبوديّةِ مَقامًا عظيمًا في النَّفس، راسِخًا في الوِجدان، حاكِمًا على كُلِّ ما عَداه من المَقاماتِ والاعتباراتِ. أَتُراه يَكُون مَقامًا عظيمًا في النَّفس وقد نَصَبَ القَومُ بينهم وبين المَعبود حِجابًا، وأَقاموا بينهم وبينه سَفيرًا يَتَردَّد بالرَّسائلِ ذَهابًا وإيابًا، فلا يُكلِّمون رَبَّهم إلّا بِواسطةٍ، ولا يَرفعون إليه حاجةً إلّا عَبرَ وَسيطٍ يَنوبُ عنهم في المَسألةِ والابتهال؟
انظر قَولَه سُبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، لقد جَرَت سُنّةُ القرآنِ في مَواضعَ كَثيرةٍ أن يَأتيَ الفِعلُ مَتبوعًا بالأَمرِ للنبيِّ ﷺ بالجَواب على لِسانه: ﴿يَسأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ ۖ قُل هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾، ﴿يَسأَلُونَكَ عَنِ الخَمرِ وَالمَيسِرِ ۖ قُل﴾، ﴿يَسأَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَىٰ ۖ قُل﴾، ﴿يَسأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ ۖ قُل﴾، فتَترَدَّد هذه الصِّياغةُ في القرآن على هذا النحو: السُّؤالُ يَأتي عن النبيِّ، والجَوابُ يَنزِل بـ«قُل» يُؤمَر بها أن يُبَلِّغَه إلى السّائلين. أمّا حين تَعَلَّقَ السُّؤالُ بذاتِ الرَّبِّ تَبارَكَ وتَعالى، فقد سَقَطَت هذه الواسطةُ تمامًا، فلا «قُل»، ولا وَسيط — مهما عظُمَ شأنه — بل قَدِمَ الخِطابُ من الرَّبِّ إلى عِبادِه مُباشَرةً بِغير حِجاب: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾.
هي فاءُ الجَواب، تمحو المَسافةَ بين شَطرَيِ العِبارةِ فلا محلَّ لقاطِع. كأنّ السّائلَ ما كاد يَفرَغ من التفكير يالسُّؤال حتى أتاهُ الجَوابُ فلا فَجوةَ بين النِّداء والإِجابة، ولا فاصلَ بين الطَّلب والاستجابة. ولاحِظ أنّه لم يَقُل «فقُل إنّ الله قريبٌ»، وإنّما قال: «فَإِنِّي قَرِيبٌ»، بصيغةِ المُتكلِّم الأَعظمِ مُباشَرةً، تَنزُّلًا من المُتكلِّم سُبحانه إلى مَقامِ المُخاطَبةِ المُباشِرةِ التي يَتَعَطَّش إليها قَلبُ كُلِّ عَبدٍ صادقٍ في عُبوديّته. وهو سُبحانه قد عَلِمَ بعِلمِه الأَزَلِيِّ السّابِقِ لكُلِّ كائنٍ في الزَّمان والمَكان أنّ العِبادَ يَسأَلون عنه، وأنّهم سَيَسألون لا مَحالة. سَيَسألُ الصّحابةُ (وقد سَأَلَ بعضُهم بالفِعل كما رُوِيَ في سَببِ نُزول الآية)، وسَيَسألُ من بعدهم القُرونُ جيلًا في إثرِ جيلٍ، وسَنَسأَلُ نَحنُ أَبناءَ قَرنِ الحَضارةِ والآلةِ والشّاشةِ، وسَيَسأَلُ من يَأتي بَعدَنا ما بَقِيَ في الأَرضِ حيٌّ عاقِل. إذ هذا السُّؤالُ مَركوزٌ في الفِطرة كما هيَ الشَّمسِ في كَبِدِ السّماء، فالإنسانُ ظَلَّ، مُذ كان إنسانًا، يَسأَل عن الرَّبِّ، وسيَظَلّ يَسأَل عنه أينَما حَلَّ وحَيثُما ارتَحَل. هذه فِطرتُه التي فَطَرَه الله عليها، وهذا ضِمارُ نَفسِه الذي يَأبَى عليه الهُدوءَ حتى يَجِدَ مُستَقَرَّه.
«وإذا سَأَلَكَ عِبادي عنّي فإنّي…» فَماذا يا رَبِّ؟ أَنتَ ماذا يا رَبَّ العالَمين بالنِّسبةِ إلى عِبادِك الذين سَيَسألون عنك؟ قَريبٌ! بلى واللهِ، بلا وَسيطٍ ولا حِجابٍ ولا واسِطةٍ ولا كَهَنُوتٍ ولا حَبرٍ ولا راهبٍ ولا مَن يَنوبُ عن العَبدِ في خِطابِ مَولاه. ولأنّه سُبحانه قَريبٌ هذا القُربَ، فما الذي يَدفَع المَرءَ إلى نَصبِ الحاجزِ بَينَه وبين رَبِّه؟ ولأيِّ مَعنًى يُقيمُ السُّورَ ويَبني الجِدارَ ويَستَخفِي وَراءَ ظَهرِ نبيِّه يَدفَعُه إلى المَلِكِ لِيُكلِّمَه عنه، وهو مَدعُوٌّ بصَريحِ النَّصِّ أن يَتَوَجَّه إليه ابتداءً ويُكلِّمَه انتهاءً؟ ما الذي يُغرِي العَبدَ بأن يَستبدلَ بِقُربِ رَبِّه بُعدًا مَصنوعًا، وبِسُهولةِ الوُصول إليه عَنَتًا مُتَكَلَّفًا، وبِيُسرِ المُناجاة عُسرَ المُكاتَبة؟
كَيف غابَ عن الإسرائيليين، وقد رَأَوا من آياتِ رَبِّهم ما رَأَوا، عَظَمةُ هذا الرَّبِّ الذي يَدعوهم إلى عِبادته وهو الغَنيُّ عنهم على الإطلاق؟ هو الذي يَدعوهم وهم العَبيدُ، وهو الذي يَتَنَزَّل إليهم بالعَطاء والإِنعام، وهو الذي يُذَكِّرُهم بأَنفُسِهم لو نَسُوها، ويَهديهم إلى مَصالحِهم لو جَهِلوها. هذه عَظَمَةٌ كان يَنبَغي أن تَملأَ صُدورَهم خُشوعًا، وأن تَدفَعَهم إلى أن يُكلِّموه بأَلسِنَتهم بدل استعارةِ أَلسِنةِ غَيرهم! لقد كان موسى عليه السّلامُ مَبعوثًا في قَومٍ أُشرِبَت قُلوبُهم عُبوديَّةَ الخَلقِ زَمانًا طَويلًا، حتى صارَ ذِكرُ السَّيِّد البَشَريِّ والخَوفُ منه والرَّجاءُ فيه أَسبَقَ إلى نُفُوسهم من ذِكرِ السَّيِّد الأَعلى. وإذا تمكَّنَ مِنَ النَّفسِ تَأليهُ المَخلوقِ، امتهَنت هذه النَّفسُ، بِطَبيعةِ الأَمر وقِياسِ الانعكاسِ، مَقامَ المَعبودِ الأَعظَم، فصارَ في تَصَوُّرِها أَهوَنَ مِمّا يَنبَغي، وانحَطَّ في تَقديرها عن مَحَلِّه الذي يَليق بجَلاله.
ولهذا تَراهم يُكثِرون من صِيغةِ «رَبِّك» على النَّحو الذي أشرنا إليه في مطلعِ الحديث. جَعَلوه رَبَّ موسى. وهو سُبحانه رَبُّ موسى، حَقًّا، ورَبُّهم أَجمَعين، ورَبُّ كُلِّ شَيءٍ. غير أنّهم آثَروا هذه الإضافةَ المُختَزَلةَ التي تُخرِجهم من الدّائرة وتُبقِي نَبيَّهم وَحدَه في حَلقةِ القُرب. فلم يَقولوا «رَبَّنا» إعلانًا بالاشتراك في العُبوديّة، ولا قالوا «الله» من بابِ الاتِّساعِ في الإطلاق ورَفعِ الحَواجزِ الإضافيّة، وإنّما اختاروا — مَرّةً بعد مَرّةٍ، وفي كُلِّ مَوطنٍ استَدَعى مِنهم سُؤالًا — لَفظةَ «ربَّك». لقد جَعَلوا النبيَّ هو الرّابطَ الوَحيدَ، والقَناةَ الوَحيدةَ، والباب الذي لا يَلِجُ الدُّعاءُ إلى السَّماء إلّا منه. وهذا قَلبٌ لمَوضوع النُّبوّة من أَصلها، فإنّ النبيَّ إنّما بُعِثَ ليَدُلَّ النّاسَ على رَبِّهم، ولم يُبعث ليَحتَجِبَ الرَّبُّ خَلفَه عنهم. لقد بُعِثَ ليَكونَ جِسرًا يُعبَر، وليَفتَحَ الباب، ولكنَّ القومَ خلطوا فأفرطوا.
أَربابًا مِن دُونِ الله
أذكُرُ أنّي قَرَأتُ مَرّةً لأَحَدِ الإخوةِ كَلامًا لَطيفًا في أَمرِ الله بَني إسرائيلَ بذَبحِ البَقَرة، خُلاصَتُه أنّ هذا الأَمرَ — إلى جانبِ ما هو ظاهرٌ منه في الإعجازِ بكَشفِ الجَريمةِ وإظهارِ القاتلِ بِضَربِ المَقتولِ بِبَعضِها — يَنطَوي على نكتةٍ أُخرى. فالبَقَرُ من أَقدَمِ مَعبوداتِ المِصريين القُدامى، يُعَظِّمونها ويَتقرَّبون بِصُورتها («حَتحُور» و«آپيس») ويَنحَتُون لها التَّماثيلَ في مَعابدهم ويُهدُون إليها القرابين. وقد عاش بنو إسرائيل في ظِلِّ تلك الحَضارةِ قُرُونًا طِوالًا، حتى تَشَرَّبَت أَعينُهم تلك الصُّوَرَ وأَلِفَت خَواطرُهم تلك التَّعظيمات. فلمّا أَمَرَهم الله بذَبحِ بَقَرةٍ بأَيديهم، حوى الأَمرُ قَطعًا لتلك الأَواصرِ الخَفيّةِ التي تَربِط قُلوبَهم بِمَورُوثِ أَرضِ العُبوديّة، وإهانةً مَقصودةً لِما كان يُعَدّ في ذِهنيّتهم القديمةِ مُقَدَّسًا يَنبَغي تَوقيرُه. ولهذا تَعنَّتوا في الأَوصافِ، إذ كان (مع استخفافِهم بالدِّين وأوامرِ نبيهم) لا زالَ في نُفوسهم من الإجلال لِلبَقَرة بَقيّةٌ تَأبَى عليهم الإقدامَ على ذَبحِها بِسُهولة!
وأَكبَرُ شاهدٍ على استِحكامِ هذا التَّعَلُّقِ في نُفُوسِهم قَولُه تعالى في موضعٍ آخر: ﴿وَأُشرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ العِجلَ بِكُفرِهِم﴾. فما مَعنى «أُشرِبُوا»؟ يُحَدِّثُنا الفَخرُ الرّازيُّ في «مَفاتيحِ الغَيب» فيَقُول: «الإشرابُ خَلطُ أَحَدِ المائعَين بالآخرِ، ثم يُستَعار لِمُداخَلَة الأَلوان بَعضِها بَعضًا، يُقالُ: بَياضٌ مُشرَبٌ بِحُمرة، ثم يُستَعار لِحُلُول حُبِّ الشّيءِ ومَودَّتِه أو بُغضِه في القَلب، فيُقالُ: أُشرِبَ قَلبُه حُبَّ كذا، أَي خالَطَه». وإنّما خُصَّ القَلبُ بهذا الإشراب لأنّه مَوضِعُ الحُبّ، ولأنّ الشَّيءَ إذا حَلَّ في القَلب صارَ كالمائعِ الذي يَتَخَلَّلُ أَجزاءَ الإناءِ، فلا سَبيلَ إلى نَزعِه إلّا بِكَسرِ الإناءِ. وقَريبٌ منه قَولُ الزَّمَخشَريِّ في «الكَشّاف»: «أَيْ تَدَاخَلَهُمْ حُبُّهُ وَالحِرْصُ عَلَى عِبَادَتِهِ كَمَا يَتَدَاخَلُ الثَّوْبَ الصِّبْغُ».
إنَّ مُشكلةَ نَصبِ الحاجزِ بَين الخالقِ والخَلق ليستْ مُشكلةَ بَني إسرائيلَ وَحدهم، ولا هي عاهةٌ ﭐختَصَّ بها عَقلُهم العِبراني دُونَ سائرِ العُقُول. إنّها مَرَضٌ اعترى كُلَّ أُمّةٍ ﭐستَطولت بها القُرونُ على الوَحي الأَوَّل، فأَخَذَت تَنحَتُ بينها وبينَ ربِّها أَسوارًا وحُجُبًا، تَنصِبُ على أَبوابها حَفَظةً من البَشَر، وتَجعَلُ مَفاتيحَها في أَيدي طائفةٍ مَخصوصةٍ، فلا يَلِجُ إلى المَعبودِ والِجٌ، ولا يَتَنزَّل من المَعبودِ مُتَنَزِّلٌ، إلّا بإذنِ تلك الطّائفةِ ورضاها. هذه الطّائفةُ هي التي اصطلحَ على تَسميتها، في عُرفِ الباحثين في تاريخ الأَديان، بـ«الطّبَقةِ الكَهَنوتيّة»، وهي تَجمَع في يَدِها بين سُلطةِ التَّفسير وسُلطةِ التَّحليلِ والتَّحريم، وسُلطةِ الوَساطةِ بين العَبدِ ومَعبوده، وسُلطةِ الإفتاءِ بِمَن يَدخُل الجَنّةَ ومَن يُلْقَى في النّار.
وقد جاء القرآنُ بِنَعي هذه الظّاهرةِ في غَيرِ مَوطن، وكَشَفَ عن مَفاسدها دون مواربة، إذ يَقُول -تقدَّس وتنزَّه-: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا﴾، ويَقُول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ويَقُول في طائفةٍ منهم: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. ولمّا سَأَلَ عَدِيُّ بنُ حاتمٍ — وكان نصرانيًا قَبلَ إسلامه — النبيَّ ﷺ عن مَعنى ﭐتِّخاذِهم أَحبارَهم ورُهبانَهم أَربابًا، إذ استنكرَ قوله أنّهم كانوا يَعبُدونَهم، أَجابَه ﷺ بِما مَعناه: «أَلَيسَ كانوا يُحِلّون لهم ما حَرَّمَ الله فيَستَحِلّونَه، ويُحَرِّمون عليهم ما أَحَلَّ الله فَيُحَرِّمونَه؟ فتلك عِبادتُهم إيّاهم». فالعِبادةُ تَنعَقِد بِمُجرَّد التّسليمِ المُطلَق لِجِهةٍ ما في تَحديدِ الحَلال والحَرام والحَقّ والباطل، ولو لم يَنحَنِ المرءُ لها رُكوعًا ولم يَخِرَّ لها سُجودًا.
وإذا أَنتَ استعرضتَ الدّياناتِ الكُبرى وفحصتها ومحصتها، رَأَيتَ هذه الظّاهرةَ مُتَفَشِّيةً فيها على دَرَجاتٍ مُتفاوتةٍ في الحِدّة والاتّساع. فالنّصرانيّةُ الكاثُوليكيّة قد ﭐنتَهَت، بَعدَ قُرونٍ من تَطَوُّر النِّظامِ الكَنَسيِِّ، إلى نَظَريّةِ «الخَلاص بالكَنيسة»، فلا غُفرانَ للذَّنبِ إلّا بِاعترافٍ يُؤَدَّى إلى كاهنٍ في حُجَيرَتِه الخَشَبيّة، ولا قُربانَ مُقَدَّسٌ إلّا على يَدِ مُرسَّمٍ في سِلكِ الكَهَنوت، بل إنَّ الكَنيسةُ في القُرون الوُسطى تَكَفَّلَتِ بِبَيعِ «صُكُوكِ الغُفران» التي يَشتَري بها المَرءُ مَغفرةَ ذُنوبه ومَغفرةَ ذُنوبِ أَهلِه الأَحياءِ والأَموات بالعَدِّ والوَزن! وهي القَضيّةُ التي فَجَّرَت ثورةَ لُوثَر في القَرن السادس عَشَر وأَنتَجَت ما عُرِفَ بـ«الإصلاحِ البروتستانتي». (يُذكر أنَّ ماكس فيير ربطَ بين ذلك النّظامِ الكَهَنوتيِّ وخُمول العَقلِ الأُورُوبّيّ قُرونًا قَبلَ تَحَرُّرِه منه، وحكمَ أنّ كَسرَ احتكارِ الكَهَنوتِ لِلتَّفسير كان أَحَدَ المَفاتيحِ الكُبرى لانطِلاقِ الحَداثة الغَربيّة، وهذا بابٌ يطول الكلام فيه، ولكنّه هنا محلُّ نظر).
والأمرُ أدهى وأمرّ في الدّياناتِ الشَّرقيّة التي رأيتُ بعضُ العِلمويين يزعمها «فلسفاتٍ راقية». فالهِنْدوسيّةُ قد بَنَت على أُسسِ الكَهَنوتِ نِظامًا اجتماعيًّا كاملًا هو نِظامُ «الطَّبَقات» (الكاست)، الذي يُقَسِّم البَشرَ إلى أَربعِ طَبَقاتٍ مُغلَقةٍ بالوِراثةِ من المَهد إلى اللَّحد: «البَراهِمة» وهم طَبقةُ الكَهَنةِ وحُرّاسِ الفيدا، ثم «الكِشاتريا»، وهم المُحاربون والحُكّام، ثم «الفايشيا» وهم التُّجّارُ والمُزارِعون، ثم «الشُّودرا» وهؤلاء همُ الخَدَمُ والمَهَنَةُ، وتَحتَ هؤلاءِ جميعًا طَبقةٌ «المَنبوذين» الذين لا يَجوزُ لَمسُهم ولا مُخالَطَتُهم. وقد ظَلَّت هذه الطَّبَقاتُ تَتوارَثُ احتكارَ المَعرفةِ والشّعائرِ والامتيازاتِ آلافَ السِّنين، حتى إنّ «الشُّودريَّ» إذا سَمِعَ تِلاوةَ الفيدا أُمِرَ بصَبِّ الرَّصاصِ المُذابِ في أُذُنه في بَعضِ نُصوصِ «مانو»، فأَيُّ حِجابٍ بَين العَبدِ ورَبِّه أَكثَفُ من هذا الحِجاب؟
ومِثلُ ذلك كان الحالُ في المَجُوسيّةِ الفارسيّةِ القَديمة، إذ استأثرت طَبقةُ «المُوبَذان» (كَهَنةُ النّار) بِكُلِّ ما يَتَّصِل بالطُّقوسِ والعِبادات، فلا يَلِجُ مَعبدَ النّارِ إلّا كاهِنٌ مُرَسَّم، ولا يُقَدِّمُ القُربانَ إلّا هو، ولا يُفسِّر «الأَفِستا» سِواه. وقد بُني على ذلك نِظامٌ طَبَقيٌّ شَبيهٌ بالنّظامِ الهِنديّ في جُمودِه وانغلاقِه، فرزَ النّاسَ إلى كَهَنةٍ ومُحارِبين وكَتَبةٍ وعامّةٍ، وأغلقَ بابَ الانتقالِ بين الطَّبقاتِ حتى حال ذلك دونَ أيِّ تطورٍ في المجتمع! وهذا ما لاحَظَه المُؤرِّخُ آرثر كريستنسن في كتابه «إيرانُ في عَهدِ السّاسانيّين» حيثُ ذكَرَ أنَّ هذا النِّظامَ الطَّبَقيَّ كان من أَهَمِّ أَسبابِ الرُّكودِ العِلميِّ والفِكريِّ في الإمبراطوريّة الفارسيّة قَبلَ الإسلام؛ إذِ احتكِرت المَعرفةُ (وهي معرفةٌ يسيرةٌ على أي حال، إذا ما قارنّاها بمعارفِ الإمبراطورية الرومانية المُنافسةِ، مثلًا!) في طَبقةٍ مَخصوصةٍ تَتَوارَثُها وتمنعُ انتشارها بين العامّة، فلم يكن للمَواهبِ في الطَّبَقاتِ الدُّنيا، لو وُجدت، سبيلٌ إلى البُرُوز. ولذلك اشتهرت فارسُ في ذلك العَهدِ بالقُوّةِ العَسكريّةِ والتَّنظيمِ الإداريّ والبَأسِ الحَربيّ، فيما ظَلَّت مُساهَمتُها في العُلومِ النَّظَريّةِ والفَلسفةِ والرّياضيّاتِ والطِّب — بالقياسِ إلى ما أَنتَجَته بَعدَ الإسلام حين تَحَرَّرَت من ذلك القَيدِ الطَّبَقيّ — مُتَواضِعةً لا تَتَناسَب مع عَظَمةِ حَضارتها العُمرانية، وللفيلسوفِ أبي الحسنِ العامريِّ في هذا الباب كلامٌ بديعٌ في كتابه «الإعلام بمناقب الإسلام».
وحتى البُوذية التي قامَت في أَصلها على نَقدِ النّظامِ الكَهَنوتيِّ الهِندوسيِّ لم تَلبث أن أَنشَأَت بِنَفسها طَبَقةً رُهبانيةً (السَّنغا)، صارَت في بَعضِ بِلادها (كالتِّبِت) تَحتَكِر السُّلْطَتَين الدّينيّةَ والزَّمَنيّةَ مَعًا في يَدِ «الدّالاي لاما». وفي الدِّيانةِ المِصريّةِ القَديمةِ كان كاهنُ «آمون» يَحتَكِر تَفسيرَ مَشيئةِ الإله، حتى غدا في بَعضِ العُصورِ أَقوى من الفِرعَون نَفسِه. وفي الدِّيانةِ البابليّةِ كان كَهَنةُ «مَردوخ» يَتَحَكَّمون في تَتويجِ المَلِكِ وعَزلِه. وفي اليَهوديّةِ التي تَناوَلنا طَرَفًا من شَأنِها فيما تَقَدَّمَ، كان «الأَحبارُ» قد احتكروا تَفسيرَ التَّوراةِ على نحو انتهى بهم إلى الزِّيادةِ فيها والنُّقصانِ منها، وإلى وضعِ «التَّلْمود» بأَسفاره الضَّخمةِ التي صارَت في التَّقديسِ عند طَوائفَ منهم فَوْقَ التَّوراةِ نَفسِها.
فالظَّاهرةُ، كَما تَرى، مُتَفَشِّيةً في الدّياناتِ قديمها وحديثها، تَتَنوَّعُ صُوَرُها وتَختَلِفُ تَجلّياتُها، ويَجمَعُها كلَّها مَعنًى واحدٌ هوَ نَصبُ حاجزٍ بَين العَبدِ ومَعبوده، وإقامةُ وسائطٍ يّستأثرُ بها ناسٌ مَخصوصون فيَجعَلونها مَصدر امتيازهم على سائرِ الخَلق. فهَل سَلِمَ دينُ القرآنِ من كُلِّ هذا؟
هل ورِثنا عقليةَ «ادعُ لَنَا رَبَّكَ»؟
يا لِشِدّةِ الأَسى ونحنُ نَقُولُ نَعَم! ومَعاذَ الله أن يَكُونَ زَلَلًا في القرآنِ نَفسِه، أو نَقصًا في الشَّريعةِ التي جاء بها، أو تَفريطًا من النبيِّ ﷺ في تَبليغِ ما حُمِّلَه. حاشا وكَلّا. هذا كِتابٌ ﴿لَّا يَأتِيهِ البَاطِلُ مِن بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِن خَلفِهِ﴾، وذاكَ رَسُولٌ ﴿يَتْلُو عَلَيهِم آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِم وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ﴾، أَدَّى الأَمَانَةَ وبَلَّغَ الرِّسالةَ ونَصَحَ الأُمّةَ وجاهَدَ في الله حَقَّ جِهاده. وإنّما اعتَرى أَتباعَه بَعدَه ما يَعتَري كُلَّ جُهدٍ بَشَريٍّ إذا تَطاوَلَت به القُرون، أعني الانحرافَ التَّدريجيَّ في التَّطبيق، والتَّرَسُّبَ البَطيءَ لِعاداتِ النَّفسِ البَشريّةِ في بِنيةِ الدّين.
ولا شَكَّ أنّكَ لو كَلَّمتَ مُسلِمًا فقُلتَ له: «أَتَجعَلُ مع الله شَريكًا؟»، لسَخِطَ عليك سَخطًا شَديدًا، ورُبَّما هَجَرَ مَجلسَك ولم يُكَلِّمكَ بَعدَها. وهو في ذلك مُحِقٌّ مُصيب، إذِ الإسلامُ، وهذا بِشهادةِ خُبَراءِ الأَديانِ المُقارَنةِ من غيرِ المُسلمين حتى، أَشَدُّ الأَديانِ صَرامةً في مَسألةِ التَّوحيد، وذَهَبَ بَعضُ الباحثين في فَلسفةِ الدّين إلى أنّه أَعسَرُ الأَديانِ نَقدًا من هذه الجِهة لِشِدّةِ إحكامِ تَوحيده ومَنعِه كُلَّ مَنفذٍ من المَنافذِ التي تَسَرَّبَ منها التَّأليهُ إلى سائرِ الدّياناتِ (بل ذهبَ بعضُهم إِلى وصفِهِ بالـ«التَزَّمتِ» و الـ«الجلافة» لشدةِ جهلهم بمعاني التَّوحيدِ المُطلَق!). فالإسلامُ قَطَعَ الطُّرُقَ على عِبادةِ المَلائكةِ والأَنبياءِ والصّالحين والقُبور والأَحجارِ والأَجرامِ السَّماويّةِ والقُوى الطّبيعيّةِ، حتى أَتى البِنيانَ من قَواعده ولم يَدَع لِلشِّركِ في عَقيدة المُسلِمِ شِبرًا يَقُوم عليه.
إنّما هي النَّفسُ البَشريّةُ النَّزّاعةُ إلى تَقديسِ غَيرها. وهذه نَزعَةٌ مَركوزةٌ في طَبيعةِ الإنسانِ استِئناسًا بالتَّبَعيّةِ وفِرارًا من ثِقَلِ المَسؤوليّةِ الفَرديّة. ولَستُ أَعني بالتَّقديسِ هاهنا الاحتِرامَ والتَّوقيرَ ومَعرفةَ قَدرِ الرّجالِ ومَنازِلِهم في العِلم، فهذا واجبٌ شَرعيٌّ ومُقتَضى الأَدبِ مع أَهلِ الفَضل، وإنّما أَعني بالتَّقديسِ ذلك المَوقفَ النَّفسيَّ الذي يُصبِح صاحبُه فيه عاجزًا عن رَدِّ قَولٍ من الأَقوال دُونَ النَّظَرِ ابتداءً في كَلامِ فُلانٍ المُقدَّسِ عنده، فتَنقَلِبُ مَرجعيّتُه من النَّصِّ والبُرهان إلى الشَّخصِ والاسم، ويَصيرُ مِعيارُ الحَقِّ والباطلِ هو مُوافَقةُ ذلك الشَّخصِ أو مُخالَفَتُه.
وقد ابتُلِيَ بِمثلِ هذا الدّاءِ اتباعُ كَثيرٍ من عُلماءِ الإسلام. فتَجِدُ الأَشعريَّ المُعاصرَ لا يَكاد يُكَلِّمُك إذا نَقَدتَ الرّازيَّ أو الجُوَينيَّ نَقدًا عِلميًّا مَوضُوعيًّا، ويَرميكَ بأنّكَ مُبتَدِعٌ خَرَجَ على الإجماع. ويَكادُ الأَثَريُّ المُعاصرُ يُخرِجُك من المِلّةِ إذا عارَضتَ ابنَ تَيميةَ في مَسألةٍ من المَسائل، ولو كانت مِمّا اختَلَفَ فيه أَهلُ السُّنّةِ قَبلَ ابن تَيميةَ نَفسِه. ودُونَ ذلك عند المُعتَزِلةِ القُدامى — وبعضِ المُعاصرين — ما اتَّفَقَ من جَماعاتهم في عَظيمِ تَكفيرِهم من خالَفَ عَقيدةَ العَدلِ وأُصُولِها الخَمسةَ عندَهم. وعند الشّيعةِ اعتِقادُهم في عِصمَةِ الأَئمّةِ الاثنَي عَشَر حتى بلغَ بهم حَدًّا جَعَلَ مُخالَفةَ قَولِ أَحَدِهم، ولو بالاجتِهادِ، في حُكمِ الخُرُوجِ على الدِّينِ كُلِّه. فالظّاهرةُ، كما تَرى، عامّةٌ في الفِرَقِ كلِّها، لا تَختصّ بمَذهبٍ دُونَ مَذهب. (ويعلمُ القارئُ الحصيفُ بطَبيعةِ الحال أنّّ النقد المعتبر والخلافَ السائغَ في هذا المقام مشروطٌ بأهلية النَّاقد، ومحصورٌ فيمن هضم المسائل، ودرس مآخذ الأقوال، ووعى وجهاتِ النَّظرِ المختلفة. فالاعتراضُ يجبُ أن ينطلِقَ من بصيرةٍ علميةٍ وتجرُّدٍ تام، أمّا الطعنُ المبنيُّ على الهوى والتجريح أو الخصومةِ الشخصيةِ فهو افتراءٌ محض وسوء أدبٍ نأنفُ من توجيهه للخصومِ والأباعد، فكيف بأئمةِ الدِّينِ وعلمائه الأجِلَّاء، تغمدهم اللطيفُ بواسعِ رحمته).
والحَقُّ أنّ العُلماءَ مَهما عَظُمَ قَدرُهم في العِلم، وارتَفَعَت مَنزِلَتُهم في الدّينِ، وامتَدَّ تأثيرُهم في الأُمّة، إنّما هم بَشَرٌ يُصيبون ويُخطِئون، ويَجتَهدون فيُحمَدُون على اجتهادهم سَواءٌ أَصابوا أم أَخطَأوا. يروى أنَّ إمامَ دارِ الهِجرةِ قال — وهو يُشيرُ إلى قَبرِ النبيِّ ﷺ — : «كُلٌّ يُؤخَذُ من قَولِه ويُرَدُّ إلّا صاحبَ هذا القَبر». فإذا كان هذا في حَقِّ مالكٍ مع جَلالةِ قَدرِه، فكَيف بِمَن دُونَه من العُلماء؟ وليس في هذا الكَلامِ، مَعاذَ الله، دَعوةٌ إلى امتِهانِ العُلماءِ ولا تَنقُّصِ مَقاماتهم، فإنّ مَن لا يَعرف فَضلَ أَهلِ الفَضلِ مَحرومٌ من بَرَكَتِهم، وإنّما هي دَعوةٌ إلى الامتناعِ عن جَعلِهم أَربابًا مع الله يُحَلّون ويُحَرِّمون بِمُجَرَّدِ أَقوالهم دُونَ نَظَرٍ في دَليلٍ ولا بَحثٍ في مَأخَذ.
ولَيتَ هذا الدّاءَ اقتَصَرَ على تَعظيمِ كِبارِ العُلماءِ المُتَقَدِّمين، رَحِمَهم الله جَميعًا، فإنّ القَومَ لو وَقَفوا في تَعظيمهم عند حَدِّ من هُم أَهلٌ للتَّعظيم حَقًّا لَهانَ الخَطب و «آمنَّا باللهِ» وابتلعنا الغصَّة. لكنّك تَرى هذا التَّقديسَ الفاسدَ مُسقَطًا اليومَ على «مُتَفَيقِهةِ» الزَّمانِ ومُتَصَدِّري المَجالس مِمَّن لا يَبلُغُ عشراتهم في العِلمِ شِسعَ نَعلِ أَحَدِ أُولئك الأَكابر. فلا يَكادُ أَحَدُهم يُطلِقُ لِحيتَه ويُقصِّرَ ثَوبه ويُصدَّرَ في المَجالسِ ويكثرُ مُتابِعُوه على وَسائلِ التَّواصُل، حتى يُنَصَّبَ في أَذهانِ مُريديه «حُجّةَ الله على خَلقه»، تُؤخَذ أَقوالُه بِجَناحَيِ التَّسليم، وتُرَدُّ مُخالَفَتُها بِغَضَبٍ يَكاد يَبلُغ التّكفير، بل ربما بلغَ وانتهى!
ولو اكتَفى القَومُ بتَعظيمِ هؤلاء وتَصديرِهم في مَجالسهم لآمَنّا بالله وسَكَتنا (مرةً أخرى!) وقلنا: هو ذَوقٌ شَخصي، وللمرءِ الحقُّ في اختيارِ من يَستَفيد منه في دينه، ولكُلٍّ هَواه. لكنّهم جاوَزُوا هذا الحَدَّ إلى ما هو أَخطَر مُجددًا، فجَعَلوا مُخالَفةَ هؤلاءِ «المَشايخِ» مَدعاةً للذَّمِّ والتَّنكيلِ والتَّسفيهِ والاتّهامِ في الدّين. ورَأَيتُ هذا أَكثَرَ ما رَأَيتُه في مَنشوراتِ مَواقعِ التَّواصُل الاجتماعيِّ في زَماننا هذا، فلَو سَأَلتَ أَحَدَهم عن تَحريمِ شَأنٍ من الشُّؤون، لم يَقُل لك: «قال الله» ولا «قال رَسولُ الله ﷺ» ولا حتى «قال السَّلَفُ الصّالحُ» على إطلاقهم، وإنّما يَقُول لك — بِكلِّ ثقة! —: «الشَّيخُ فُلانٌ يَقُولُه»! كأنّ قَولَ الشَّيخِ فُلانٍ صار قائمًا مَقامَ النَّصِّ الشَّرعيِّ، ومُغنيًا عن البَحثِ في الأَدلّة، ومُسقِطًا لاعتبارِ الأَقوالِ المُخالفة.
فيا ليت شعري، هل وَقَفتَ، بارَكَ الله فيك، على قَولِ الشَّيخِ فُلانٍ هذا وصِحّتِه؟ هل بَحَثتَ في مأخَذِه من الكتابِ والسُّنّة؟ هل عَرَفتَ مَن خالَفَه من أَهلِ العِلمِ ولِمَ خالَفُوه؟ هل قارَنتَ بَين قَولِه وقَولِ غَيره من المُجتَهدين؟ أَم أنّك اكتَفَيتَ بأنّه قاله فجَعَلتَ قَولَه حُجّةً قائمةً بِنَفسها؟
وأَرجُو ألّا تظُنَّ بي، أيُّها القارئُ الكَريمُ، الاستِطرادَ إلى ما يَخرُج عن أَصلِ المَقال، فلَعَلَّكَ تُدرِك الآنَ الرّابطَ الوَثيقَ بين نَصبِ الحاجزِ بين الله وخَلقه عند بَني إسرائيل في قَولِهم «ادعُ لَنا رَبَّك»، وبَين ما يَفعَلُه هؤلاء حين يَجعَلون قَولَ الشَّيخِ فُلانٍ هو المَرجعَ الذي إليه يَفزَعُون، والمِعيارَ الذي به يَزِنون، والحَكَمَ الذي عند قَولِه يَقِفُون. فالأَصلُ في الحالَتَين واحدٌ هو انسحابُ العَبدِ من مَوقعِ المَسؤوليّةِ المُباشِرةِ أَمامَ رَبِّه، وإلقاءُ ثِقَلِ التَّفكيرِ والاجتهادِ والمُحاسَبةِ على كاهلِ شَخصٍ آخَر يَنوبُ عنه. أمَّا هُناكَ فالنبيُّ هو الذي يَدعُو الرَّبَّ نِيابةً عنهم، فيَستَريحون من مَشَقّةِ المُواجَهةِ المُباشِرةِ مع الجَلال. وهاهنا فالشَّيخُ هو الذي يَفهَمُ النَّصَّ نِيابةً عنهم، فيَستَريحون من مَشَقّةِ النَّظَر والتَّأمّلِ والتَّحقيقِ في الدَّليل. وهُناكَ نَتجَ عن ذلك تَصَوُّرٌ مَنحَطٌّ للإلهِ يَجعَلُه «رَبَّ فُلانٍ» وليسَ رَبَّ الجَميع، وهاهنا يَنتُج عَنه تَصَوُّرٌ مَعكوسٌ للدِّينِ يَجعَلُه «دينَ الشَّيخِ فُلانٍ» وليسَ دينَ الله الذي أَنزَلَه إلى وعلى عِبادِه كافّةً.
وأشدُّ ما في الأمرِ أنّ هؤلاءِ المُقَلِّدين المُتَعصِّبينَ لا يَشعُرون بِما هُم فيه، بل يَحسَبون أنّهم في غايةِ التَّمَسُّكِ بالدِّينِ والوَرَعِ في العبادة، وإِلى اللهِ نشكو الحال!
«قُطَّها بِراسِ عالمٍ واطلَع منها سالم»
هذه عبارةٌ ظَريفةٌ كنتُ سَمِعتُها من بَعضِ الإخوةِ الكُوَيتيين فاستَملَحتُها، ووَجَدتُ لها في هذا المَقالِ مَوضِعًا. والمَعنى الذي تَدُلّ عليه في عُرفِ القَومِ مَفهُومٌ من ظاهر لَفظها، أي: اجعَلِ المَسألةَ في رَقَبةِ عالِمٍ تَتَّبِعُه، وانسَحِب أنتَ من ميدانِها سالمًا من تَبِعَتها، فإن أَخطَأَ تَحَمَّلَ هو الخَطأ، وإن أَصابَ كُنتَ شَريكًا في الثواب. ووجدتُ لها موضعًا لأنّها تُلخِّصُ ما يَجري في نُفُوسِ كَثيرٍ من النّاسِ في صِلَتهم بالدّينِ والعِلم، إذ نترو نَوعًا من «الإحالةِ» الذَّكيّةِ، يُلقي بها المَرءُ ثِقَلَ الاجتهادِ ومَسؤوليّةِ النَّظَرِ على غَيره، ويَخرُج هو من المُعادَلةِ نَظيفَ الثَّوب، خَفيفَ المَحمَل، سالمَ الضَّمير، آمنًا من تَبِعاتِ الخَطأِ في الدُّنيا والآخِرة.
والذي يَنبَغي أن يَستَقِرَّ في نَفسِ كُلِّ مُسلِمٍ يرى هذا الرأيَّ وما يقاربه، وأَرجُو ألّا ينساهُ أَبَدًا، أنّ هذه «النَّجاةَ» نَجاةٌ كاذبةٌ مَوهُومةٌ، وأنّ هذا الجِسرَ الذي يظُنّهُ حاملَهُ إلى السَّلامةِ سَيَتَهاوَى تحتَ قَدَمَيه يَومَ تَقُومُ القيامةُ، فيهوي هو في غَيابةِ الجُبِّ، ويَجدُ العالمَ الذي «قطّها» بِرأسِه قد انسَحَبَ هو الآخَرُ يَطلُب نَجاةَ نَفسِه. وقد قال سُبحانه في وَصفِ ذلك اليَوم: ﴿وَإِذ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ استَكبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُم تَبَعًا فَهَل أَنتُم مُّغنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ﴾، فيجيبونهم: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾. نعم، سيَجتَمعون كلُّهم في مَوقفِ المَسؤوليّةِ الذي ظَنَّ أَحَدُهم أنّه يُنجِيه منه ظَهرُ الآخَرين!
ودينُك، أَيُّها المُسلِم، دينُ عُبوديّةٍ خاصّةٍ. بل قُل إن شِئتَ «دينُ الإلهِ الشَّخصيِّ» كما يَصِفُه بَعضُ الرُّبُوبيِّين والملاحدةُ على وَجهِ الاستِنقاصِ والتّعيير (كأنّهم في وَصفهم هذا يريدون الطعنَ فيه، وهذا الطّعنُ من حَيثُ ظَنُّوه ذَمًّا إنّما هو مدح، ومن حَيثُ ظَنُّوه نَقصًا إنّما هو كمال) نَعَم، إنَّه دينُ الإلهِ الشَّخصيّ بهذا المَعنى الذي يُريدون، أعني إلهًا يعرِفكَ باسمك، ويَقرَأُ خَواطِرَك قَبلَ أن تَنطِق بها، ويَرَى دَمعَتَك ويعرِف سِرَّها، ويَسمَع نَجواكَ التي بخلتَ بها على الخلق. هو رَبُّك أَنتَ بهذا الاسمِ الذي حَمَلتَه من يَومِ سَمّاكَ أَهلُك. وهو في الوَقتِ ذاتِه رَبُّ الشَّيخِ فُلانٍ الذي تُقَلِّدُه، ورَبُّ مُحمَّدٍ ﷺ، ورَبُّ موسى وعيسى وإبراهيم ونوحٍ وآدمَ، وإخوانهم من الأَنبياء والمُرسَلين، عليهم أتمُّ الصَّلاةِ وأزكى التسليم، هو ربُّ الفَيلَسوفِ في عُزلَتِه، ورَبُّ الفَلّاحِ في حَقلِه، ورَبُّ الصَّيّادِ في زَورَقِه، ورَبُّ المَلِكِ على عَرشِه، ورَبُّ السَّجينِ في زِنزانَتِه. هو رَبُّك أَنتَ باعتبارٍ، ورَبُّ الجَميعِ باعتبارٍ آخَر، ولا تَناقُضَ بَين الاعتبارَين، فإنّ في عَظَمَتِه ما يَتَّسِعُ لأن يَكُونَ خاصًّا بِكُلِّ عَبدٍ على حِدةٍ، عامًّا للعِبادِ كلِّهم في آنٍ واحدٍ.
إنَّ هذه هي دَعوةُ الأَنبياءِ كُلِّهم. نعم، لقد جاؤُوا لِيُعَلِّمُونا أن نُخاطِبَ الرَّبَّ قَبلَ خَلقِه، وأن نَلِجَ إليه بِأَنفُسِنا قَبلَ أن نَتَوَسَّط إليه بأَحَد. وإنّ من جَميلِ الخِطابِ القُرآنيِّ ما تَراه في كَلامِ الأَنبياءِ مع رَبِّهم وفي كَلامِهم عن رَبِّهم لأَقوامهم، فهم يَنسُبون الرَّبَّ إلى أَنفُسِهم نِسبَةَ خاصّةٍ مُباشَرةٍ، فيَقُولون «رَبّي»، ويُجاهِرون بهذه الإضافةِ في وَجهِ أَصحابِ الظِّلالِ وأَهلِ الشِّركِ والكُفرِ، إعلانًا بأنّ هذا الرَّبَّ رَبُّهم، وأنّ بَينهم وبَينَه صِلةً لا واسطةَ فيها لأَحَدٍ من العالَمين.
فهذا إبراهيمُ يقفُ مواجهًا قومه، وهو بعدُ فتى!: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشرِكُونَ ۞ إِنِّي وَجَّهتُ وَجهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ حَنِيفًا﴾، وحين يُحاجُّ النَّمرودَ فيَقُول: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحيِي وَيُمِيتُ﴾. فلم يَقُل «الرَّبُّ الذي يُحيى ويُميت» على وَجهِ التَّجريدِ والإطلاق، ولم يَقُل «رَبُّكم» على وَجهِ المُداراةِ ومُحاوَلةِ استِمالةِ المُخاطَب، وإنّما قال «رَبِّي» مُعتزًا بهذه الصِّلةِ الخاصّةِ التي تَربِطُه بِخالقِه، ولم يَجِد حَرَجًا في إشهارها أَمامَ المَلِكِ الجَبّارِ الذي يَدَّعي لِنَفسه الرُّبوبيّة. وانظُر إلى موسى نَفسِه وهو يَقِف بَين يَدَي فِرعَونَ، فيقولُ مُجيبًا إيّاه حين سألهُ: ﴿قَالَ عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَٰبٖۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾. وتأملَّ كلامَ عيسى بنِ مَريمَ، وهو من تعلمُ، إذ يقول دافعًا عن نفسهِ جرمَ التأليهِ الذي لاغَ فيه أتباعه، متبرئًا من الرِّضا باختطافِ مقامِ الربوبية: ﴿مَا قُلتُ لَهُم إِلَّا مَا أَمَرتَنِي بِهِ أَنِ اعبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُم﴾.
ولهذا أعترفُ بأنّهُ مِمّا أَجِدُ نَفسي أَفعَلُه كُلَّما ناظَرتُ أَحَدًا من المُخالفين، ولا سيَّما من المُلحِدِين والرُّبوبيِّين والشّاكِّين، أنني أُكثِرُ من قَولِ «رَبّي» — أَكتُبُها في بَعضِ الرُّدودِ أَحيانًا، وأُردِّدُها بَيني وبَينَ نَفسي مِرارًا — فأَقُول: «رَبّي يَعلَم» و«رَبّي قال» و«رَبّي يَدعُو إلى كذا» و«إنّ رَبّي قَريبٌ» و«رَبّي أَكرَمُ من أن يَفعَل كذا». وأَجِدُ في نُطقِ هذه الكَلِمةِ شُعورًا جَميلًا، ولذةً رائعةً يَصعُبُ الإعرابُ عنها، ذاك أنّّ هذا الرَّبَّ الذي أَتَكَلَّم عَنه يَعظُمُ قَدرُه فَوْقَ المَفاهيمِ الفَلسَفيّةِ المُجَرَّدَةِ التي أُنازِعُ المُخالفَ في إثباتها، فَهُوَ رَبّي أَنا، صاحبي في وَحدَتي، وقَريبي في غُربَتي، ومُؤنِسي في كُربتي، ومَن إليه أَفِرّ إذا ضاقَت بي السُّبُل.
وهذا الشُّعورُ لو فَقَدَه المُسلِمُ لفَقَدَ جَوهَرَ ما جاء به الإسلامُ من «خُصُوصيّةِ» العُبوديّة. فإنّ الإسلامَ، قَبلَ الفِقه والكلامِ والأصولِ والحدود وبَعدَها، إنّما هو صِلةٌ شَخصيّةٌ مُباشِرةٌ بَين العَبدِ ورَبِّه، يَتَوَسَّط فيها العالِمُ والفَقيهُ والمُفَسِّرُ بِقَدرِ ما يَكشِفُ من الدَّليلِ ويَهدي إلى السَّبيل، فإذا تَجاوَزَ هذا القَدرَ وصارَ (أو صيَّرهُ بعضُ النَّاس) بِنَفسه، من حيثُ هو فقيهٌ أو مفسرٌ، قَناةَ الوُصُولِ ومَنفَذَ الاتّصالِ ومُفتاحَ البابِ، انقَلَبَ من ناصِحٍ إلى حاجبٍ، وتحولَّ من دَليلٍ إلى عائقٍ، واستحالَ من جِسرٍ إلى سُورٍ.
هكذا ناجَى الأَصفِياء
انظر في صِيَغِ الدُّعاءِ التي عَلَّمَها الله للمُؤمِنين، تَجِد أَكثَرَها بصيغةِ «رَبَّنا»: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً﴾، ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَّسِينَا أَو أَخطَأنَا﴾، ﴿رَبَّنَا اغفِر لَنَا وَلِإِخوَانِنَا﴾، ﴿رَبَّنَا أَفرِغ عَلَينَا صَبرًا﴾، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغ قُلُوبَنَا بَعدَ إِذ هَدَيتَنَا﴾. لكنّك إذا تَأَمَّلتَ في دُعاءِ الأَنبياءِ والصالحينَ في مَواقفهم الفَرديّةِ الحَرِجةِ، وَجَدتَهم يَنتَقِلون إلى «رَبِّ» مُفرَدةً: ﴿رَبِّ هَب لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ من زكَريّا، ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعتُهَا أُنثَىٰ﴾ من امرأةِ عمرانَ، ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمتُ نَفسِي﴾ من موسى، ﴿رَبِّ ابنِ لِي عِندَكَ بَيتًا فِي الجَنَّةِ﴾ من امرأةِ فِرعَون، ﴿رَّبِّ اغفِر وَارحَم وَأَنتَ خَيرُ الرَّاحِمِينَ﴾ في خاتِمةِ المُؤمنون. هذه «الياءُ» المَحذوفةُ من «رَبِّ» (وأَصلُها «رَبّي» فحُذِفَت ياؤُها للتَّخفيفِ مع بَقاءِ الكَسرةِ شاهدةً عَليها) هي ياءُ الخُصُوصيّةِ التي تَربِط الدّاعيَ بِمَدعُوِّه مباشرةً بلا واسطةٍ ولا حاجزَ.
وأَمَرُّ ما يَكُون من حالِ المُسلمِ المُعاصرِ، أَن تَجِدَه قد فَقَدَ هذه الإضافةَ من قاموسِه الرُّوحيِّ ابتداءً، فلا يَقُول «رَبّي» إلّا في المَناسباتِ الرَّسميّةِ، أو في الدُّعاءِ المَأثورِ الذي يَحفَظُه دون بعيدِ نظر، أو في خُطبَةٍ يُلقِيها لِيَسمَعَه النّاسُ. أمّا في صَميمِ حَياته اليَوميّة، فقد انحَسَرَت «رَبّي» من لِسانه وحَلَّ مَحَلَّها «الشَّيخُ فُلانٌ يَقول» و«المَذهبُ الفُلانيُّ يَرى» و«الجَماعةُ الفُلانيّةُ تَعتَقد». وكأنّ الشَّخصيّةَ الدّينيّةَ لِهذا المُسلمِ قد انسَحَبَت من بَين يَدَيه إلى وَسائطَ بَشَريّةٍ تَحتَكِرُها وتُديرُها وتُوَزِّعُها عَليه بِالقَطّارة. ولا أَدري، وأَقُولُها أسِفةً، كَيف يُمكِن لِمسلمٍ أن يمضس إلى صَلاتَه في كُلِّ يَومٍ خَمسَ مَرّاتٍ، فيَقرَأَ في كُلِّ رَكعةٍ من رَكَعاتها ﴿إِيَّاكَ نَعبُدُ وَإِيَّاكَ نَستَعِينُ﴾، ثم يَخرُج من صَلاته فيَستَعينُ بِغَيرِ الله، ويَسأَل غَيرَ الله، ويَتَوَكَّل على غَيرِ الله، ويَرى أنّ بَينه وبَين رَبِّه حُجُبًا لا تُكشَف إلّا بِواسطةِ مُحمدٍ أو عُثمان. كَيف تَستَقيمُ في النَّفسِ هذه المُفارَقةُ بين قَولِ اللِّسانِ «إيّاكَ» وفِعلِ الجَوارحِ «بِواسطةِ غَيرك»؟
وقد قَرَأتُ مَرّةً لِبعضِ المُفَكِّرين المُسلمين المُعاصرين تَأَمُّلًا جَميلًا في الفَرقِ بَين «الأَديانِ التي تَنطَلِق من فَوقُ» و«الأَديانِ التي تَنطَلِق من تَحت»، خُلاصَتُه أنّ الإسلامَ في صَميمه دينٌ يَنطَلِق من فَوقُ، أَعني أنّ مَصدَرَ التَّشريع فيه واحدٌ، هو الله سُبحانه، يُنَزِّل وَحيَه على نَبيٍّ مُختارٍ، ويَبلُغ النّاسَ بِلسانٍ مُبينٍ، ويُؤمَر النّاسُ بأن يَتَلَقَّوه مُباشَرةً ويَعمَلوا به. أمّا الأَديانُ التي انحَرَفَت، فقد تَحَوَّلَت، مع مُرور الزَّمن، إلى دياناتٍ تَنطَلِق من تَحت، بِمَعنى أنّ مَركزَ الثِّقَلِ فيها صار في المُؤَسَّسةِ الكَهَنوتيّةِ التي تُدير الشّعائرَ وتُفَسِّر النُّصوصَ وتَحتَكِر الوَساطةَ بَين العَبدِ ورَبِّه. والمَأساةُ أنّ كَثيرًا من المُسلمين في زَماننا قد بَدَأوا، دُونَ أن يَشعُروا، يَنزِلون بإسلامهم من فَوقٍ إلى تَحت، ويَحَوِّلُونه من دينِ الوَحْي المُباشِرِ إلى دينِ الواساطات والإحالات.
ومَن وَعى هذا المَعنى فعَليه أن يَستَأنِفَ صِلَتَه بِرَبِّه استِئنافًا جَديدًا، يَخرُج فيه من ضِيقِ المُقَلِّد إلى سعةِ العبودية، ومن مَوقعِ المُحالِ على غَيره إلى مَوقعِ المُواجِهِ المُباشِرِ لِمَدعُوِّه. عَليه أن يَقُولَها بِلسانه وبِقَلبِه مَعًا («رَبّي») ثُمّ يُكَرِّرها حتى يتيقنَّ أنّه رَبُّه قَبلَ أن يَكُونَ رَبَّ فُلانٍ من المَشايخ، ويُدرِكَ أَنّ صِلَتَه بِهِ مَبنِيّةٌ عَلَى المَسؤولِيَّةِ الفَرديَّةِ المُتَجرِّدَةِ مِن كُلِّ تَفويضٍ أو إنابَةٍ، وأَنّه إذا «قَطَّها» بِراسِ عالِمٍ فَسَيَجِدُ نَفسَهُ مَكشوفًا يَومَ تُنشَر الصُّحُف، لِيَقِفَ وَحدَهُ أَمامَ رَبِّه كَما خُلِقَ أَوَّلَ مَرّةٍ، ﴿وَلَقَد جِئتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقنَاكُم أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكتُم مَّا خَوَّلنَاكُم وَرَاءَ ظُهُورِكُم﴾.


معظم التيارات الإسلامية اليوم تنتهج مسار احتكار معرفة الرب و الشريعة في مسائل الدين و الدنيا حتي وصل بمشايخها أو أتباعها إلي تكفير المخالف من المسلمين و الكل يتحجج بمرجعية الكتاب و السنة و المشكل لا في الكتاب قول الله جل و علا و لا في ما صح عن سنة نبيه الكريم بل في فهم و تأويل النصوص كما يحدث بين السلفية و الأشعرية من جانب و من جانب أخر هو تقديس للإديولوجيا الموروثة و ما نتج عنها من أشخاص و أفكار و طقوس حال الصوفية و الشيعة و الإباضية و حتي السلفية (المدخلية)
المسلم كما هو معروف بصريح النص مطالب بمعرفة الرب و الدين و لا بد من أدوات و مؤهلات لتحقيق ذلك من لغة و بلاغة و تاريخ و فلسفة و تدبر و تفكر و هذا لا يختلف عليه عاقلين و لكن بعض المتشبتين أي المقلدين لمذاهب علماء و مشايخ هم بريئون منهم يرون أن طريق المعرفة لا بد أن يبتدأ بأصولهم و فقههم في مسائل الدين و العقيدة و الأسماء و الصفات و مخالفتهم و لو بأدلة صريحة صحيحة هو إنحراف و بدع حال المتكلمة و المعتزلة سابقا و الحدادين حاليا