كنتُ قد غفوتُ حين سمعتُ نحنحةً قادمةً من زاوية الغرفة. فتحتُ عيني فإذا به جالسٌ على ظهر الكرسيّ، يَمدّ ساقًا ويُرخي أُخرى، محدقًا فيّ كأنهُ عادَ توًا من جنازةٍ طويلة.
بادرته فقلت:
— ما خطبك؟
— مَللتُ!
— مَللتَ من ماذا؟ أولستَ شيطاني الذي يُلقّنني الشعر، فأنّى يَملّ الشيطانُ من شُغله؟
— حين يَعيشُ في عصرٍ ملعونٍ كعصرنا!
ضَحكتُ، فما زادَه ذلك إلّا تجهّمًا، لمْ يحفَل بضحكتي بل استطرد:
— أتَدرين أنّ كثيرًا من إخواني وأبناءِ عمومتي قد اعتزلوا هذه الصنعة؟ أعنِي الوسوسة، تَركوها بالكُلّيّة، وانصرفوا إلى أعمالٍ أهون. أحدُهم صار يُوسوس لتجّار العُملات الرقميّة، وآخرُ تفرّغَ لإغواءِ طلبةِ الدكتوراه في الفلسفة القارّيّة. أمّا نحن — معشرَ شياطين الشعر المنحوسين — فقد أَرهقَنا جيلُكم هذا حتّى صِرنا نَتمنّى أن نَعود إلى الجحيم راحةً من بِنياتكم اللغويّة المُرتبِكة.
قلتُ متعجبة:
— ما لكم تَشكون منّا؟ أَلَسنا نَكتب وفي هذا قوامُ أمركم؟
— تَكتبون، نعم، لكنّ مثلكَم في كتابتِكم مثل الذي ابتلعَ مُعجمًا ثمّ تَقيّأَه على ورقة. ثمّ أنتُم، وهذه الطامّة، تَرفعون الصوتَ إذا اعترضَ عليكم أحد، وتقولون: «هذه أُنطولوجيا الكتابةِ الجديدة»، و«هذا انفتاحُ النصّ على لا-نهائيّته»، و«هذا تفكيكٌ للمَركزيّة الصوتيّة». يا ابنةَ آدم، أَوَتَظنّين بي الجهل بديريدا؟ وأنا الذيِ وسوستُ له بنفسي ذاتَ صباح، فردّ عليّ بثلاث صفحات من الهوامش، وانصرفتُ خاسئًا.
ولعلهُ رأى ارتباكي من تصاعُد صوتِه وارتفاع حرارةِ الغرفةِ تزامنًا مع جُملته الأخيرة فقال:
— لا تراعِي، ما جئتُ لأُؤذيكِ، إنما جئتُ لأَشكو، فاسمعي.
— لا بأس إذن.
— أود البدء بالاعتراف أننا نَلومُ، نحن معشرَ الشياطين، أبانا إبليسَ كما يلومُ رهطٌ منكم آدم، أو حوّاء، فلا يخفَى عليكِ حجمُ اللوم المُلقى على المسكينة. لستُ في صدد الدفاعِ عن أمّكم بأي حال! إنّكم تقولون: «أُخرجنا من الجنّة بسببه هو وزوجه»، ونقول نحن: «أُلقينا في هذا الشُّغلِ المُضني بسببه». فلو لم يُغوِ آدمَ، لَبَقينا في عَطالةٍ مُريحة، نَنام ونَصحو، ولا يُكلّفنا أحدٌ بإلهامِ شاعرٍ مُراهقٍ يحسبُ القافيةَ مؤامرةٌ بُورجوازيّة.
قلتُ وقد غلبني الضحِك:
— تلومونَ إبليس؟!
— نَلومُه ونَلعنُه في كلّ مَجلس. حتّى إنّ لنا ندوةً سنويّةً في الدّرَك السابع، عنوانُها: «إبليسُ بين المسؤوليّةِ الأخلاقيّة وحُجّةِ الجَبْر». يَحضرُها كبارُ شياطيننا، ويَخرجون منها وقد ازدادوا قناعةً بأنّ الحريّةَ وَهْم.
— سُبحان الله.
— لا تَستعيذي بالله أمامي من فضلِكِ، فهذا غيرُ لائقٍ في الحوار الأكاديميّ.
غلبتنِي ابتسامتِي مجددًا.
— وأنَا أحكِي لكِ قصةً حتى تحكمي بنفسك. مُنذ زمنٍ طويل، قُرابةَ ألفِ سنة، كان لي ابنُ عم اسمه زمبديق، وُكِّلَ بالوسوسةِ لرجلٍ من فلاسفتكم، أظنّ اسمَه محمّد بن عمر بن الحسين القرشيّ. زعموا أن زمبديق قالَ وهو يَنفخ في كفّيه: أمرٌ سهل! إنّما بين هؤلاء الفلاسفةِ والكفرِ شعرة، أنفخَ عليها فتنقطِع الساعة! فلمّا اقتربَ منه ووَسوسَ له بشُبهة، التفتَ إليه صاحِبكُم ودَفَعها بثلاثِ براهين، ثمّ ردّها بخمس، ثمّ شَرعَ يُقرّر مذهبَ الأشاعرةِ على زمبديق نفسه. فما خرجَ المسكينُ من المجلس إلّا وقد دَخلَ في الإسلام، وراحَ يَدعو للتوحيد في الأسواق، حتّى ضاقَ به مُحتسبُ السوقِ ذَرعًا فرجمَه بحجرٍ كَسرَ له قرنَه الأيسر، ولا يَزال يعانِي الآثار الجانبية إلى يومنا هذا.
— لا حولَ ولا قوّةَ. ولم أكمل مخافة إثارة سخطه.
— أشكرُ لكِ حسنَ أدبك. عمومًا، مضى ذاك السلفْ وجئتم أنتم، يا شرَّ خلف! كنتُ قد بَدأتُ عَملي في الوسوسةِ والغوايةِ رَسميًّا — إذ كلّ شيطانِ شعرٍ موكَّلٌ كذلك بغوايةِ صاحبه، وهذه قاعدتُنا الإداريّة منذ القِدَم. كنتُ مُتحمّسًا، فَتَلتُ شاربي، وقلتُ: فَلْيُرِني بنو آدمَ شدّةَ بلاغتِهم وحِكمتِهم، ولْنَنظر أيُّهما أصبرُ وأثبتُ على عقيدته: النارُ أم الطين. فيا ليتني لم أَعمل!
ثم ضَربَ كفًا بكف وأكمل:
— ما رأيتُ ممّا كان أجدادُنا يُخوّفوننا به شيئًا. كانوا يَقولون: احذروا الشاعرَ المتنبّي، فإنّه يَكسر نفثة الشيطان بالبيت الواحد. فليتَنِي وقعتُ عليه، لَشَكَرتُه، إذ كان على الأقلّ يحترِمُ وَزنَ «مُستفعِلن». أمّا الآن، أُلقّنكِ الصورة، فتُحوّلينها إلى مَجاز، فاستعارة، فمنشور على الإنترنت، ثمَّ يبرُز لكِ مُعلّقٌ قائلًا: «هذا ركيك»، فأَخرجُ أنا، نعم، أنا الشيطان، لأُدافع عنكِ في التعليقات. أتعِينَ عُمقَ هذه المأساة؟
— تُدافع عنّي؟
— أُدافع عن نفسي. عن سُمعتي المِهنيّة. أَكره أن يَقول إخواني في الجحيم: «شندخ بن زنفليق بن عزرط بن فزّاع بن دعسوق، من بني سلعوم، التابع لفرع الدرك الأسفل لشؤون الغواية والميتافيزيقا، يُلهم تلك التي تَكتب عن قِطّتها». إن كُنتِ ترضين، فكرامتي الأنطولوجيّة لا ترضى.
ثم اعتدَلَ في جلسته، وأَخذَ يَعُدّ على أصابعه:
— أوّلًا، تَستعملون لغةً هي هَجينٌ مستقبحٌ من لسانِ الإفرَنج. ثانيًا، تَختلسون الصورَ من الترجمات. ثالثًا، أمسَى الإيقاعُ عندكم اقتراحًا اختياريًّا كأنّه حاشيةٌ في عقدِ إيجار. رابعًا — وهذه أَوجعُها — تَستشهدون ببودلير وريلكه وتَهجرون أبا تمّام والمتنبّي. فإذا قُلتُ لأحدِكم: ما تَقول في «السيفُ أصدقُ أنباءً من الكُتب»، قال: «أُحبّ هذا التركيب، فيه طاقةٌ تأويليّةٌ مُغايِرة». يا لله! «طاقةٌ تأويليّة»! أوتخرُج البيت من نطاق الشعر يا ابنَ — اعذريني —
ضَحكتُ هذه المرّةَ بصوتٍ عالٍ.
— تَضحكين؟ إنّي لأُفكّر جدّيًّا بتقديم استقالتي. وقَد وَجدتُ إعلانَ وظيفةٍ في القطاع الخاصّ: شيطانٌ تنفيذيٌّ في شركةِ تسويقٍ رقميّ، الراتبُ ضِعفُ ما أَتقاضاه، والإغواءُ فيه أكثرُ صراحةً وأقلّ ادّعاءً.
— ولماذا تَبقى إذَا كانَ هذا حالك!
فقال وقد خَفَتَ صوتُه، وغلبتُه غصته التِي ما برحَ يُصارِعها، وكان شندخ طيبًا بقدرِ ما يتيسر لشيطان:
— لأنني أُحبّ الشعرَ، رغمَ كلّ شيء. أُحبّه حُبًّا يُذلّني. وأَعلم أنّه مقابِل كلّ ألفِ شاعرٍ مُتطفّل، قد يُولَد واحدٌ يَستحقّ أن أَجلسَ عند رأسه. فأنا أَنتظر منذ مائتِي عام. وكلّما ظَنَنتُ أنّي وَجدتُه، تَبيّن أنّ صاحِبي يَكتب نصوصًا نثريّةً عن «الجسد» و«الهامش» و«السلطة»، فأَعود إلى زاويتي.
— وأنا؟
— ما حَكمتُ عليكِ حكمًا نهائيًا بَعد، أنتِ حالةٌ في طورِ الدراسة. ولكنّي أَنصحكِ، إنْ شئتِ نصيحةَ شيطانٍ مُتعَب، أن تَقرئي أكثر، وتَكتبي أقلّ، وتَخجَلي من نفسكِ مرّةً في الأسبوع على الأقلّ. يُخصِب الخجلُ، يا ابنةَ آدم، تربةَ الشعر. وقدْ ماتَ الخجلُ في زمانكم، فماتت معه القصيدة.
ثمّ انتفضَ، ونَفضَ ثوبَه، وقال: سأَذهب. فعندي اجتماعٌ الفجر مع نقابةِ شياطين القافية. سنُناقش مُقترحَ إضرابٍ عامّ.
واختفى.
وهذا ما حَدثَ، وأنتَ مُوكَّلٌ عزيزي القارئ بتصديقِ حُدوثِه، ذلك أنّ ما يَجري في الغرفةِ المُغلَقةِ الساعةَ الثالثةَ ليلًا يَخضع لأُنطولوجيا خاصّةٍ لا تَسري عليها قوانينُ النهار، فإنْ أَنكرتَ وقوعَه فإنّما تُنكره من داخلِ إطارٍ معرفيٍّ بَرجوازيٍّ ضيّقٍ يَفترض أنّ الواقعَ واحد، وهذا — كما تَعلم — افتراضٌ ميتافيزيقيٌّ ما قامَ عليه دليل، وقد فنّده هيوم — وقبلَهُ الغزالي — تفنيدًا مُحكَمًا في الفصل الذي لم يَكتبه. فإمّا أن تُؤمن، وإمّا أن تَعتذر. وأمّا أنا فقد هربتُ إلى النوم.

