أَجزاءٌ للإِلَه! فِي الرَّدِّ عَلَى دعوى تَعَارُضِ الصِّفَاتِ مَعَ الوُجُوبِ
«إلهُكم مُركّبٌ مُحتاج» هكذا يتسوّر العقل المادّي حدود الميتافيزيقا!
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدلله الكريمِ وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد بن عبدالله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه ومن تَبِعَ هَدْيَه إلى يوم الدين.
أخبرك، في البدء، عزيزي القارئ بدوافع تحرير هذا المقال. ذلك أنه كانت بَعَثَت إليّ إحدى الأخوات منذ أيّام رابطًا لمنشورٍ على «تيك توك»، عَرَضَ فيه صاحبُه شُبهةً يَحْسَبها فاتحةً لهدم «وهم الإله» على حدِّ زعمه، إذ أنحى فيها على أهل الإسلام مَنحى مَن يَرى أنّه ظَفَرَ منهم بمَقْتَلٍ. وكنتُ تشاغلتُ وقتها عن كتابَةِ المقالِ من فوري، ثُمَّ لما هَمَمْتُ بإيراد رابطه في صَدْر هذا المقال كعادتي، ليَطّلع الناظرُ على حُجّة الخصم بلسانه قبل مُطالعةِ عَرْضنا لها وردّنا عليها، فذلك من تمام الإنصاف الذي دَرَجَ عليه أئمّةُ المُسلمين قديمًا، إذ كانوا يَنْقلون مذاهبَ مُخالفيهم بأشدّ ما تكون نَضارةً وأَتمّ ما تكون حُجّةً، حتّى يُقال: ما عَرَفَ الخصمُ نَفْسَه على وجهٍ أحسنَ ممّا عَرَضَه به مُناظِرُه. اتَفَّق أنّ موانعًا عِدّةً قَعَدَت بي عن ذلك:
أوّلها: ما اشْتمل عليه كلامُ الطارح من قَذاءةٍ في حقّ الذات الإلهيّة المقدّسة، وفي حقّ النبيّ الكريم صلى الله عليه وسلم، يَتَرَفّع عن نقلها قَلَمُ الباحث، ويَسْتَحْيي من تَكرارها لسانُ المؤمن ولو على سبيل الحكاية. وإنّ من البلاء أنّ بعض الناس يَحْسَبُ الجرأةَ على المُقَدّسات ضَرْبًا من «الشّجاعة الفكريّة»، وهذا هو السفه المَحْضٌ يصبغه صاحبُه بصبغة الفلسفة والجرأة الفكرية لِيَجِد له في النّفوس مَدْخَلًا.
وثانيها: قَذاءةُ التعليقات ذاتِها؛ إذ وَجَدتُ فيها لما تَتَبّعتُها من الفُحْش والسُّخْف ما يَنْكُص دونه ذو المُروءة، والعَجَبُ أنّ بعض ذلك صَدَرَ ممّن يَنتسب إلى مِلّتنا، ويُسمّي نَفْسَه مُسلمًا، فاسْتَخَفّ بكلامٍ يَعْرى عن أَدَب العُبوديّة قبل أن يَعْرى عن حُسْن الجَدَل. وهؤلاء أَحْرى بالعِتاب من الملاحدة أنفسهم، فكيف يأتي هذا الكلام من شخصٍ قَرَأ قَوْلَ ربّه -تقدَّس جَلاله-: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وقَرَأ قَوْلَه -تَعالى كَماله-: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، فكانَ جديرًا به أن يَستحضر هذا الأدبَ القُرآنيَّ في خِطابه قبل أن يَستحضر حُجَجَه، فإنّ سَفاهةَ القَوْل تُذْهبُ بَهاءَ المعنى وإن كان حَقًّا.
وقد قلتُ في هذا المعنى:
لَعَمْرُكَ أَزْرَى بِبَعْضِ الوَرَى … قَبِيحُ الكَلامِ إِذَا يُنعَقُ
فَقَدْ يُحْسِنُ المَرْءُ فِيمَا يَرَى … وَيُقْبِحُهُ سُوءُ مَا يَنْطِقُ
وثالثها: أنّي عُدتُ إلى المنشور بعد فَتْرة، فأَلْفَيْتُ صاحبَه قد حَذَفَه وأَغْلَقَ حسابَه، فبَطَلَت فائدةُ الإحالة، وانقَطَعَ سَنَدُ النّقل من أصله. فاكتَفَيتُ بأن أَنْقُلَ مَضْمونَ الحُجّة كما طُرحت، أمينةً في عَرْضِها، مُحَرِّرةً لمَقاصدها، حتّى يَجِد القارئُ بين يديه نصًّا تامَّ المعنى مُكتفيًا بنفسه عن المُراجَعة.
ومع هذه الموانع، فقد رأيتُ أن أَخُطّ هذه الكلمات استجابةً لطلب الأخت السائلة — زادها الله توفيقًا وثَباتًا —، ورجاءَ أن يَجعلَها الله تعالى صدقةً جاريةً عنّي وعن جدّي رحمه الله ورحم موتى المسلمين، ذاك أنَّ في الكلام النافِع صدقةً، وفي بَيان الحقّ نُصْحًا، وفي ردّ الشُّبهة عن دين الله جِهادًا بالقَلَم. ولعلّ في هذه الأَسْطُر ما يَنْفع مُسلمًا أَلَمَّت به الشّبهةُ فاضْطَرَبَت تحت قَدَمَيْه أرضُ اليقين، أو مُلحدًا اسْتَحْكَمَ به الكِبْرُ فأَقامَ له هذا «الدّليل» سِتْرًا يَتَدَثّر به من لجاجه مع الفطرة، أو باحثًا مُنصفًا يَطلب الحقّ من حيث جاء.
وأُنبّه بادئ الأمر أنّي أَتَبَرّأ من دَعْوى الإحاطة بكلّ وُجوه الردّ، فإنّ بَحْرَ هذه المسائل تَقْصُر عنه دِلاءُ المُتعجّلين، وإنّما اسْتَفَدْتُ من علوم السابقين من أئمّة المتكلّمين والحُكَماء، ومن إفادات المُتأخّرين والمُعاصرين، مع شَيْءٍ من اجتهادٍ خاصٍّ يَحْتمل النّقصَ والإصابةَ معًا. فإن وَجَد القارئُ نَقصًا فالكَمالُ لله وحده، وإن وَجَد فائدةً فمن فَضْل الله علينا وعلى الناس.
وبَعْدُ، فلْنَدْلُف إلى المقصود، ولنَبْدأ كما أسلفنا بعَرْض كلام القَوْم.
المبحث الأوّل: في عَرْض «حُجّة التركيب» وفَرْعها في «الافتقار والحاجة»
قال هذا المعترض — بعد أن طَوّى نَفَسَه طويلًا، وهَيّأَ مَدْرَجَه ليُلقي ما يَحْسَبُه القاضيةَ على الإله المعبود —: إنّ التصوُّر الذي يُقَدّمه المتألّهون، من المسلمين خاصّةً ومن أهل الكتاب عامّةً، عن إلههم تصوُّرٌ يَسْتبطن تناقُضًا داخليًّا يَنْقُض نَفْسَه بنفسه قبل أن يَحتاج إلى ناقدٍ من خارجه. وبَيانُ هذا يجري على المنوال الآتي:
إنّ كلّ موجودٍ يَخْرج عن مَقُولة «البساطة المُطْلَقة» (Absolute Simplicity) فهو موجودٌ مُرَكّب (Composite). والمُرَكَّبُ — أيًّا كان نَوْعُ تَركيبه: تَركيبًا مادّيًّا من أَجْزاءٍ كَمّيّة، أو تَركيبًا ذِهْنيًّا من جِنْسٍ وفَصْل، أو تَركيبًا «ميتافيزيقيًّا» من ذاتٍ وصفاتٍ زائدةٍ عليها، أو تَركيبًا من ماهيّةٍ ووُجود — مُفْتَقِرٌ بحُكْم تَركيبه إلى أجزائه، إذ تَحَقُّقُه مَوْقوفٌ على تَحَقُّقِها، وقِوامُ كُلّيَّتِه قائمٌ بقِوام جُزْئيّاته. والمُفْتَقِرُ، من حيث هو مُفْتَقِر، مُمكنُ الوُجود (Possible/Contingent)، إذ الافتقارُ آيةُ الإمكان، والاسْتِغْناءُ آيةُ الوُجوب. وإذَا اسْتَقَرَّ هذا، فإنّ كلّ مُرَكّبٍ مُمكنُ الوُجود، يَفْتَقِر في تَحَقُّقه إلى عِلّةٍ خارجةٍ عنه تَجمع أجزاءَه، وتُؤَلّف بينها، وتُعْطيه وُجودَه المُسْتفاد.
ثمّ يَنْتَقل المعترضُ إلى المُقَدّمة الكُبرى التي يَبْني عليها، فيقول: إنَّ المتألّهين يَصِفون إلهَهم بأنّه «واجبُ الوُجود لذاته» (Necessary Being)، أيِ الذي يَمْتنع عَدَمُه، ويَسْتحيل أن يَكون افتقارُه إلى غيره وَجْهًا من وُجوه تَحَقُّقه. ومُقتضى هذا الوصف أنّ كلّ ما اسْتَلْزَمَ الافتقارَ يَمْتنع وُرودُه عليه؛ إذ لو افْتَقَرَ في وَجْهٍ ما إلى غيره، لَانْتَقَضَ عنه وَصْفُ الوُجوب، ولَصارَ في عِدادِ المُمكنات التي تَحْتاج إلى مُرَجِّحٍ يُخْرِجُها من حَدّ الإمكان إلى حَدّ الفِعْل.
فإذَا تَقَرَّرَ هذا — يقول المعترض — فلْنَنْظُر في هذا الإله الذي يَصِفُه المتألّهون، أهو «بَسيطٌ بَساطةً مُطْلَقةً»، تَتَنَزّه ذاتُه عن كلّ تَكَثُّرٍ وعن كلّ تَعَدُّدٍ في المعاني، أم هو موصوفٌ بصفاتٍ مُتَعَدّدة: عِلْمٌ، وقُدرةٌ، وإرادةٌ، وحياةٌ، وسَمْعٌ، وبَصَرٌ، وكَلامٌ، ورحمةٌ، وغَضَبٌ، وإلى آخر ما يُعَدّد لنا الكتابُ والسُّنّةُ من الأسماء والصفات؟
فإن قالوا بالأوّل — أي البساطةَ المُطْلَقة — فقد لَزِمَهم أن يُجَرّدوا الإلهَ من كلّ معنًى زائدٍ على مُجَرّد الوُجود، وأن يَرُدّوا كلّ صفةٍ إلى عَيْن الذات بحيث يَسْتحيلَ التمييزُ بين العِلْم والقُدرة والإرادة، فيَصير العِلْمُ هو القُدرةَ هو الإرادةَ هو الذاتَ، من غير تَعَدُّدٍ في المعنى ولا تَغايُرٍ في المفهوم. وهذا — إن سَلَّموا به — أَفْضى بهم إلى تَعطيلٍ مَحْضٍ يرفضُه سوادهم، إذ كيف يَتَصَوَّر العقلُ ذاتًا تَعلم بدون معنى عِلْمٍ يَتَميّز عن معنى قُدْرة، وتَفْعل بدون معنى إرادةٍ يَتَميّز عن معنى عِلْم، وتَتَكَلّم بدون معنى كَلامٍ يَتَميّز عن معنى سَمْع؟ وأَشدُّ من ذلك: كيف يُخاطَب هذا الإلهُ، ويُرْجى منه الفِعْل، ويُتَوَجَّه إليه بالدّعاء، وهو في نهاية تَجريده مَحْضُ نُقطةٍ ميتافيزيقيّةٍ صَمّاء، أَقْرَبُ إلى العَدَم منها إلى الموجود؟ بل ما الفَرْقُ بين هذا الإله وبين «اللاشيء»؟ كلاهما يَمْتنع وَصْفُه، وتَتَخَلّف عنه الإشارةُ، ويَعْجَز عن صُدور الفِعْل المُتَمَيّز.
وإن قالوا بالثاني — وهو تَعَدُّدَ الصفات وتَغايُرَها في المفهوم عن الذات وعن بَعْضها — فقد وَقَعوا في «التركيب الميتافيزيقيّ» على أَتَمّ وُجوهه؛ إذ صار الإلهُ مُؤَلَّفًا من «ذاتٍ» و«صفاتٍ» تَزيد عليها، والذاتُ تَتَّصف بها وَتَفْتَقِر إليها لتَكون عالمةً قادرةً مُريدةً، والصفاتُ تَفْتَقِر إلى الذات لتَقومَ بها وتَتَحَقّق فيها. وهذا الافتقارُ المُتَبادَل — في زَعْم المعترض — يَهْدم وَصْفَ الوُجوب من أساسه، إذ يَصير الإلهُ مَجْموعَ ذاتٍ وصفاتٍ، يَتَوَقّفُ وُجودُه الكاملُ على اجتماعها، ويَفْتَقِر في تَحَقُّقه إلى التِئامها. ومن افْتَقَرَ إلى أجزائه فهو مُمكنٌ مُحتاجٌ إلى من يُؤَلِّف بين تلك الأجزاء، وهو ما يُسَمّيه الفلاسفةُ «المُرَكِّب» أو «جامعَ الأجزاء». فإمّا أن يَكون الإلهُ هو الذي يُؤَلِّف نَفْسَه، وهذا دَوْرٌ صريح، إذ يَلْزَم منه تَقَدُّمُه على نفسه، وإمّا أن يَكون ثَمّةَ مُؤَلِّفٌ خارجٌ عنه يَجْمع شَتاتَ ذاته وصفاته، وهذا يَنْقُض كَوْنَه إلهًا أعلى، إذ يَصير المُؤَلِّفُ أَوْلى بالأُلوهيّة منه.
ويُتَوّجُ المعترضُ هذه القِسْمةَ بقوله: فأنتم، مَعْشَرَ المُتألّهين، بين أَمْرَيْن كلاهما مُرّ، وليس فيهما حالٍ ولو على وجه المقارنة:
إمّا أن تَأْخذوا بالبساطة المُطْلَقة، فيَنْقَلب إلهُكم إلى «صَنَمٍ مَفْهومِيٍّ» جامدٍ، تَتَخَلّف عنه كلُّ الخصائص الحَيّة الفاعلة، فتَخْسرون الدّينَ كلّه؛ إذ ما قِيمةُ إلهٍ يَسْتحيل عليه أن يَعْلَمَ ابتهالَ الداعي، أو يَسْمَع شَكْوى المظلوم، أو يَشاء خَلْقَ هذا العالم بإرادةٍ مُتَمَيّزةٍ عن عِلْمه؟
وإمّا أن تَأْخذوا بتَعَدُّد الصفات، فيَنْقَلب إلهُكم إلى «مُرَكَّبٍ مُحتاج»، يَفْتَقِر إلى أجزائه ومُؤَلِّفِها، فيَخْرج عن دَرَجة الواجب لذاته، ويَنْحَدِر إلى رُتْبة المُمكنات، فتَخْسرون الإلهَ كُلَّه.
وعلى كِلا التّقديرَيْن — يَخْتم وقد نفخَ صدره، كالظافر — فإنّ الإلهَ الذي تَدْعون إليه قد بَطَلَ من جهة العقل، وما بَقِيَ إلّا أن تَعْتَرفوا بأنّ مَفْهومَ الأُلوهيّة كما تَتَصَوّرونه مَفْهومٌ مُتَهافتٌ، تَتَنازعه الأَضْدادُ، فيَمْتنع تَصَوُّرُه على وَجْهٍ يَسْلَم من المُناقَضة الذاتيّة.
ثمّ يُفَرّع المعترضُ على هذه الحُجّة الأُمّ فَرْعًا يُسَمّيه «فَخّ الافتقار والحاجة»، ومُحَصَّلُه عنده: أنّ كلّ صفةٍ تُثْبتونها للإله إنّما هي «وَسيلةٌ» يَتَوَصّل بها إلى كَماله، فهو يَعْلَم بالعِلْم، ويَقْدِر بالقُدرة، ويُريد بالإرادة، ويَتَكَلّم بالكلام. ومن تَوَقَّفَ عِلْمُه على «عِلْمٍ» يَقوم به فقد افْتَقَرَ إلى ذلك العِلْم، إذ لو ارْتَفَعَ عنه ارْتَفَعَ كَوْنُه عالمًا. وكذا في سائر الصفات. فالإلهُ، بهذا التّصَوُّر، يَفْتَقِر في كَماله إلى كلّ صفةٍ من صفاته، ولولا هذه الصفاتُ لكان نَقْصًا مَحْضًا. وهذا يُناقِض قَوْلَكم: إنّه «الغَنِيّ» (سورة فاطر: ١٥)، فالغَنِيُّ مَن اسْتَغْنى عن كلّ شَيْء، والمَوْصوفُ بصفاتٍ يَفْتَقِر إليها في كَماله مُحتاجٌ إليها افْتِقارَ المَلْزوم إلى لازمه. فأين الغِنى المُطْلَق إذًا؟ وكيف يَجْتمع وَصْفُ «الغَنِيّ على الإطلاق» مع وَصْفِ «المُحتاج إلى صفاته في تَحَقُّق كَماله»؟
ويُضيف: ولو قالوا إنّ هذه الصفاتِ ذاتيّةٌ تَلْزَم الذاتَ لُزومًا ضروريًّا، فقد تَأَكَّدَ الافتقارُ وزاد، إذ ما كان لازمًا للذات لُزومًا ضروريًّا فإنّ الذاتَ تَتَوَقّف عليه تَوَقُّفَ المَشْروط على شَرْطه، ومَن تَوَقَّفَ على غيره فهو مَوْقوفٌ. فلو سَلَّمْنا — جَدَلًا — أنّ الصفاتِ قَديمةٌ بقِدَم الذات، فإنّ هذا التّسْليم يَزيد الإشكالَ تَوَكُّدًا، إذ يَلْزم منه تَعَدُّدُ القُدماء، وقِدَمُ كلّ صفةٍ مع قِدَم الذات، فيَصير لدينا «تَعَدُّدُ الذواتِ القديمة» (السّمات السبعُ مثلًا، عند الأشاعرة)، وهذا تَعَدُّدٌ في «الواجب لذاته»، وهو مُحالٌ بإجماع المعقول، إذ التَّعَدُّدُ يُنافي الوُجوبَ الذاتيّ.
هذا تَلْخيصٌ لما طَرَحَه القَوْمُ، وقد عَرَضْتُه، كما ترى، بأَحْسَن ما ظَهَرَ لي من صَوْغِه، وبأَتَمّ ما تَيَسَّرَ من رَبْطِ مُقَدّماته بنتائجه، حتّى يَكون الردُّ، فيما يَأتي من المباحث بإذن الله، رَدًّا على حُجّةٍ قائمةٍ، فإنّه من قَبيح الجَدَل أن يَعْمد المُجادِلُ إلى تَضْعيف خَصْمه ابْتداءً، ثمّ يَفْتَخِر بأنّه قد كَسَره، لأنه إنما كَسَرَ صَنَمًا أَقامه بيَدَيْه.
تنبيهٌ سريعٌ أحبُّ إيرادُه قبل الشّروع في الردّ:
هذه الشّبهةُ، على ما يَتَوَهّم صاحبُها أنّها فَتْحٌ مُبينٌ في «نَقْض الإلهيّات»، تَنْطلق في حقيقة أَمْرها من «هَوَسٍ» قديمٍ عند فلاسفةُ اليونان، ثمّ توارثهُ المُتأثّرون بهم من فلاسفة العالَم القديم، بمَفْهوم «البساطة المُطْلَقة» (Absolute Simplicity). والذي ينبغي أن يُفْهَم أنّ «البساطة» التي اشْتَغَلوا بها تَخْتلف عمّا يَتبادر إلى ذِهْن السامع من «اليُسْر» و«الوُضوح»، فإنّ هذا تَفْسيرٌ شَعْبيٌّ يَشُذّ عن مُصْطَلَحهم. وإنّما عَنَوا بها أنّ «الواحدَ الأَوّل» (كما سَمّاه أَفْلوطين ومن دارَ في فَلَكه) يَجب أن يَكون مُجَرَّدًا تَجريدًا تامًّا من كلّ معنًى زائدٍ على ذاته، قيَتَنَزّه عن كلّ اسمٍ سوى أنّه «هو»، ويَخْلو من كلّ صفةٍ تُغايرُ عَيْنَه، ويَمْتنع عليه أن يَفْعل على وَجْه القَصْد، ويَسْتحيل عليه أن يَتَجَدّد له عِلْمٌ بالجزئيّات بحَسَبها. وهذا التّجريدُ، وإن كان زُيِّنَ للناظر بزينة «التّنزيه»، أَفْضى بأصحابه إلى وَصْف إلهٍ هو إلى «العَدَم المَحْض» أَقْرَبُ منه إلى «الوُجود الكامل»، فمعبودُ القومِ كِيانٌ جامدٌ، تَسْتَوي عنده الأشياءُ كلُّها، يَجْهل خصائصَ خَلْقه، يَعْجز عن مُخاطَبَتهم، ويَمْتنع عليه أن يَتَكَلّم بكلامٍ مَسْموعٍ أو يَأْمر بأَمْرٍ مَتْبوع. وكنتُ قبل فترةٍ ناقشتُ إحدى المُنتسباتِ إلى هذا المذَهب، فما وجدتُ عِندها ردًا على إشكالاتنا.
وقد قال بشَيْءٍ من هذا الباب بعضُ مُتقدّمي فلاسفة الإسلام — رحمهم الله — من جَرّاء التّأَثّر باليونانيّة قبل أن يَنْضَجَ الفِكْرُ الإسلاميُّ على نحوٍ يُمَكّنه من غَرْبَلَة الوافد وتَنْقيته على ميزان الوحي وميزان العقل الصّريح. وقد رَدَّ عليهم من المسلمين مُعاصِروهم وكُثُرٌ ممّن جاؤوا بَعْدَهم، حتّى صار «نَقْدُ الفَلْسَفة المَشّائيّة» بابًا قائمًا برَأْسه في علم الكلام والفلسفة، تَزْدَحم فيه التحريراتُ على نحوٍ يَعْجَز هذا المقامُ عن استيعابه. وبعض الملاحِدة المُعاصرين إنّما هم في نظري «طُفَيْليات» على هذا الإرث الفلسفيّ القديم؛ يَقْتَبِسون من إشكالاته ما يُوافق غَرَضَهم في هَدْم الإيمان، ويَطْوون ما عَدا ذلك من الردود التي وَرَدَت على تلك الإشكالات نفسها مُنذ ما يَزيد على عَشَرةِ قُرون، فيَعْرضون الإشكالَ كأنّه لُقْيةٌ جديدةٌ من اكتشافات «العَقْلانيّة المُعاصِرة»، وما هو في الواقع إلّا صَدًى مُتأخّرٌ لشَكْوى أَفْلوطينٍ من «الكَثْرة» وحَنينه إلى «الواحد».
ولذلك فإنّ ما نُقَرّره في المباحث الآتية — إن شاء الله — يَجري على مَنْحَيَيْن: مَنْحى نَقْضِ المُقَدّمات التي بُنِيَت عليها هذه الحُجّةُ في أصلها الفَلْسفيّ القديم، وقد كَفانا أئمّةُ المُتكلّمين شَطْرًا كبيرًا من هذا العَناء، فما عَلَيْنا إلّا أن نَسْتَثْمر ما حَرَّروه ونُنَزّله على الصياغة المُعاصرة للإلحاد. ومَنْحى تَفْكيكِ الفُروع التي يَتَشَبّث بها المعترضُ المُعاصر، خاصّةً «فَخّ الافتقار والحاجة»، وبَيان أنّه فَخٌّ نَصَبَه الواهمُ لنفسه، إذ وَضَعَ الصفاتِ في موضع «الأَجزاء المادّيّة» التي يَفْتَقِر إليها المُرَكَّبُ، وغابَ عنه أنّ نِسْبةَ الصفاتِ إلى الذاتِ تَجْري على غير مَجْرى نِسْبةِ الأجزاء إلى الكُلّ، وتَخْتصّ بأَحْكامٍ يَخْتلُّ النّظرُ بإهمالها، وهذا ما سنُحَرّره في المبحث الذي يَلي هذا بإذن الله.
ولْيَعْلَم القارئُ أنّ هذا التّمييزَ بين «التركيب الحقيقيّ» و«التَّعَدُّد المعنويّ في الذات الواحدة» هو المِفْتاحُ الذي تَنْحَلّ به جَماهيرُ هذه الشُّبهات، وأنّ غَفْلةَ كثيرٍ من المتكلّمين والفلاسفة عن هذا التّمييز كانت سَبَبَ وُقوعِهم في الاضطراب، فمنهم من قَهَرَ الصفاتِ تحت سُلْطان «الواحد» فعَطَّلها، ومنهم من أَفْرَطَ في تَعَدُّدها حتّى كاد أن يَجْعَلَها ذواتًا قائمةً بأنفسها، والحقُّ المُحْكَم الذي جاء به الكتابُ والسُّنّةُ أَوْسَطُ من هذا وذاك، وأَعْدَلُ ميزانًا. وقد حَفِظَ اللهُ علماءَ هذه الأُمّة فأَقامَ منهم في كلّ عَصْرٍ مَن يَذُبّ عن العقيدة، ويَبْذُل في تَحْريرها العُمْرَ والقَلَم، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
المبحث الثاني: في تَفْكيك الحُجّة من أُصولها، وبَيان مَواطن الخَلَل في مُقَدّماتها
الوَجْهُ الأَوّل: وقد نويتُ فيه الكَشْف عن المُغالَطة المركزيّة التي تَسْري في أَوْصال هذه الحُجّة، وهي «اشْتراكُ اللّفظ» (Equivocation) في مفهوم «التَّركيب». فإنّ الذي يَنْظُر في صياغة المعترض يَجد أنّه قد كَدَّسَ تحت عُنوان «التَّركيب» معاني مُتباينةً، تَشْتَرك في الاسم وتَفْتَرق في الحقيقة، ثمّ بَنى على هذا الاشتراك اللفظيّ نتيجةً موحَّدةً، فأَجْرى حُكْمَ بعض الأقسام على بعض، وأَلْزَمَ خَصْمَه ما يَلْزم القِسْمَ الأوّل بعَيْنه على القِسْم الذي يُغايره في الماهيّة. وهذا ضَرْبٌ من القياس الفاسد، يَسْتوي في رَدّه أَوْحَدُ المنطقيّين وأَدْنى المُبتدئين في صناعة النّظر.
وبَيانُ ذلك أنّ «التركيب» يُطْلَق على وُجوهٍ شَتّى، يَنْبغي تَحْريرُها قبل الخَوْض في الحُكْم. فمنه التركيبُ الكَمّيّ المادّيّ، وهو الذي يَجْتمع فيه كَمّاتٌ ذواتُ امْتدادٍ وحَيِّزٍ، كما يَلْتَئم البَدَنُ من أَعضائه، والجِدارُ من لَبِناته. ومنه التركيبُ من المادّة والصُّورة، وهو الذي ذَهَبَ إليه أَهْل الطبيعيّات القُدامى في تَفْسير الجَواهر الجِسْمانيّة. ومنه التركيبُ المنطقيّ من جِنْسٍ وفَصْلٍ، وهو الذي يَجْري في حَدّ الماهيّات النوعيّة كقَوْلهم في حَدّ الإنسان: «حيوانٌ ناطق». ومنه التركيبُ من ماهيّةٍ ووُجود، وهو الذي اشْتَغَل به أَهْلُ الميتافيزيقا الإسلاميّة في تقسيم الموجودات. ومنه ما يُسَمّى «التَّعَدُّد المعنويّ في الذات الواحدة»، وهو أن تَتَّصِف الذاتُ الواحدةُ بمعانٍ يُغاير بَعْضُها بَعْضًا في المفهوم، مع كَوْن الذات نفسِها واحدةً غير مُؤَلَّفةٍ من تلك المعاني تَأْليفَ الأَجْزاء.
والقَوْل بأنّ كلّ مُرَكَّبٍ مُفْتَقِرٌ إلى أجزائه إنّما يَصْدُق على الأقسام الأُولى التي تَكون فيها الأَجْزاءُ مُتَقَدّمةً في الوُجود على الكُلّ، أو مُسْتَقِلّةً عنه استقلالًا يَجْعلها قابلةً لأن تُتَصَوَّر من دونه. أمّا «التَّعَدُّدُ المعنويّ» في الذات الواحدة فإنّه قِسْمٌ مُغايرٌ في الجَوْهر، يَسْتحيل فيه أن تَتَقَدّم الصفاتُ على الذات تَقَدُّمَ الأجزاء على الكُلّ، أو أن تُتَصَوَّر مُستقلّةً عنها. فالعِلْمُ القائمُ بذاتِ الباري عِلْمٌ يَتَعَيّن قِيامُه بهذه الذات بعينها، يَمْتنع تَصَوُّرُه طافيًا في فَراغٍ ميتافيزيقيٍّ يَلْتَمِس له ذاتًا تَقوم به من خارج. وكَوْنُ العِلْم يُغايرُ القُدرةَ في المفهوم لا يَسْتلزم البَتّةَ أن يَكونا «جُزْأَيْن» في الذات يَحتاج كلٌّ منهما إلى الآخر ليَتَأَلَّفَ منهما الإلهُ كما تَتَأَلَّف الجُمْلةُ من حُروفها.
ولذلك فإنّ المعترضَ إذ قَرَّرَ تلكَ المُقَدّمةَ (التي تقول: «كلّ مُرَكَّبٍ مُفْتَقِرٌ إلى أجزائه»)، فإنّه أَخَذَ مفهومَ «الافتقار» على ضَرْبٍ من المُماثَلة بالمحسوسات، أيِ الاحتياج المادّيّ القائم بين الجزء والكُلّ في عالَم الأَجسام، حيث يَتَقَدّم الجُزْءُ في وُجوده على الكُلّ، ويَكون الكُلّ مَوْقوفًا على اجتماع تلك الأجزاء بأَيْدٍ خارجةٍ تَجْمعها. ثمّ نَقَلَ هذا المفهومَ إلى ساحةٍ ميتافيزيقيّةٍ مُخْتلفةٍ كلَّ الاختلاف، هي ساحةُ نِسْبة الصفات إلى الذات الإلهيّة، فأَجْرى عليها أَحْكامًا غَرَّبتها عن أَصْلها واغْتَصَبَتْها من سياقها. وهذا هو الذي يُسَمّى عند المُحَقّقين «نَقْل الحُكْم بغير دليل»، أو «قياس الغائب على الشاهد قياسًا فاسدًا»؛ إذ القياسُ يَسْتلزم اتّحادَ العِلّة في الأَصْل والفَرْع، والافتقارُ المادّيّ في الأجسام مُعَلَّلٌ بكَوْن الأَجْزاء مُتَقَدّمةً مُسْتَقِلّةً، وهذه العِلّةُ مَفْقودةٌ في صِفات الباري، فاسْتَحال إجراءُ الحُكْم.
الوَجْهُ الثاني: إبطال أصل دَعْوى «البَساطة المُطْلَقة» التي قامت عليها المُحاكَمةُ كلّها. فإنّ المعترضَ قد سَلَّمَ في صَدْر حُجّته بمُقَدّمةٍ هي مَوْضعُ النّزاع الحقيقيّ، وأَجْرى المُحاكَمةَ على أنّها من المُسَلَّمات. تلك المُقَدّمةُ هي: «الوُجوبَ الذاتيّ» يَسْتلزم «البَساطةَ المُطْلَقة» بحيث يَمْتنع على الواجب لذاته أن يَتَّصِفَ بمعانٍ مُتَعَدّدةٍ في المفهوم. وهذه المُقَدّمةُ نَفْسُها هي شَرْطٌ تَحَكُّميٌّ تَوارَثَه أصحابُ التّقاليد الأَفْلوطينيّة، وأَلْبَسوه لِباسَ الضّرورة العقليّة، حتّى صار مُتَلَقًّى بالقَبول من غير بُرهان.
فنَسْأَل هذا المعترضَ: ما الذي يَدْفعك إلى الإصرار على أنّ «الواجب لذاته يَجب أن يَكون بَسيطًا بَساطةً مُطْلَقةً»؟ هذه القاعدةُ نَفْسُها تَفْتَقِر إلى بُرْهان. فإن قال: إنّ التَّعَدُّدَ يَسْتلزم الإمكانَ، قُلْنا: مَوْضعُ النّزاع هو هذه الدَّعْوى نَفْسُها. فكلّ ما يَسْتدلّ به على هذه القاعدة يَفْتَرضها ابتداءً، فيَقَع في «المُصادَرة على المَطْلوب» (Petitio Principii). والمَطْلوبُ منه أن يُبَيّن، بمَعْزِلٍ عن الفَرْض الذي يَنْوي إثباتَه، لماذا يَكون التَّعَدُّدُ المَفْهوميُّ مُسْتلْزِمًا للإمكان؟ والذي يُلاحَظ أنّ كلّ مُحاوَلاتِه في إثبات هذا التَّلازُم تَنْتَهي إلى الاعتماد على التَّعَدُّد المادّيّ في الأَجسام، ثمّ تُحاوِل تَعْميمَ الحُكْم. وقد بَيَّنّا أنّ هذا التَّعميمَ تَحَكُّمٌ بغير دليل.
والذي يُحَرَّرُ في هذا المَقام: أنّ الذي يَقْتضيه الوُجوبُ الذاتيّ هو امتناعُ الافتقار إلى غَيْرٍ خارجٍ عن الذات، أمّا تَعَدُّدُ المعاني في الذات الواحدة فأَمْرٌ مُستقلٌّ تمامًا عن مسألة الافتقار، يَفْتَقِر إثباتُ تَلازُمه مع الإمكان إلى دليلٍ مُحَرَّرٍ، وهو ما يَعْجَز عنه المعترض.
ولْنَفْرض جَدَلًا أنّ «البَساطةَ المُطْلَقة» شَرْطٌ في الوُجوب الذاتيّ. فإنّ هذا الفَرْض يَنْقَلب على صاحبه بأَوْخَم من الإلْزام الذي أَلْزَمه. وذلك أنّ «البَساطةَ المُطْلَقة» — لو فُسِّرت كما فَسَّرها أَفْلوطين ومن تَبِعَه — تَسْتلزم أن يَكون «الواحدُ» مَحْضَ هُويّةٍ صَمّاء، تَتَخَلَّف عنها كلّ خصائص الفِعْل والإدراك والإرادة، فيَكون بَلْهَ أن يَخْلُقَ، عاجزًا عن أن يُعْقَلَ. وبهذا تَتَهاوى البِنْيةُ كلُّها، فإنّ هذا «الواحدَ» الذي تَتَخَلَّف عنه القُدرةُ على الفِعْل لا يَصْلُح أن يَكون مَبْدأً للعالَم، إذ المَبْدأُ الذي تَصْدُر عنه آثارٌ يَجب أن يَكون فيه من الخَصائص ما يُؤَهّله لإصدار تلك الآثار، وإلّا انْقَطَعَت السِّلسلةُ السَّبَبيّةُ من رَأْسها، ولَزِمَ صُدورُ الكَثرة عن المَحْض الذي تَتَخَلَّف عنه كلّ نِسْبةٍ، وهو من المُحالات التي يُكَذّبها صَريحُ العقل قبل أن يُكَذّبها الوحي. ومن هنا فإنّ القَدْحَ الذي يَتَوَجّه به المعترضُ على إثبات الصفات يَرْتَدّ عليه أَحَدّ مَضاءً، إذ يَهْدم النّموذجَ الفلسفيَّ (القديم) الذي يَسْتَنِد إليه ضِمْنًا في صَوْغ شُبْهَته.
الوَجْهُ الثالث: تحرير مفهوم «الافتقار»، فإنّ هذا اللَّفظَ يَجْري في كلام المعترض مَجْرى المُتَواطئ، وهو في الحقيقة مُشَكِّكٌ يَخْتلف معناه باختلاف موارده. فالافتقارُ يَتَحَقّق حيثُ يَتَوَقّفُ تَحَقُّقُ الشَّيْء على غَيْرٍ مُستقلٍّ عنه قابلٍ للانفصال عنه أو الانتفاء. والصفاتُ القائمةُ بالذات الإلهيّة تَتَنَزّه عن أن تَكون «غَيْرًا» قابلًا للانفصال، فهي قِيامٌ بالذات قِيامَ المعنى بمَحَلّه قِيامًا لا يَقْبل الانفِكاك بحالٍ من الأحوال. وحين تَكون الصفاتُ على هذه الرُّتبة — قائمةً بالذات قِيامًا ضَروريًّا، يَسْتحيل تَصَوُّرُها مُنْفَكّةً عنها، ويَسْتحيل تَصَوُّر الذات مُنْفَكّةً عنها — فإنّ إطلاقَ لَفْظ «الافتقار» عليها يَكون من باب التّسامح اللَّفْظيّ، يَسْتَدْرجُ السامعَ إلى تَصَوُّرها على نَمَط الأَجْزاء التي تَتَأَلَّف منها الأَجسام، وهو نَمَطٌ تَأْباه ماهيّةُ المسألة.
وقُلْ كذلك: إنّ الكَمالَ الإلهيَّ لا يَسْتَفيدُ من صفاته استفادةً تَكونُ فيها هذه الصفاتُ سابقةً على الذات في رُتْبة الوُجود، حتّى يَصِحَّ أن يُقال: لولا العِلْمُ لَكان الإلهُ نَقْصًا مَحْضًا، فأَفادَه العِلْمُ كَمالًا. هذا الإيرادُ مَبْنيٌّ على تَصَوُّرٍ زَمَنيٍّ تَدَرُّجيٍّ يَتَخَيَّل ذاتًا «أُولى» ساذجةً ثمّ تَطْرأ عليها صفاتٌ تُكْملها، وهو تَصَوُّرٌ يَسْتحيل في حَقّ الواجب لذاته الذي تَتَنَزّه ذاتُه عن سَبْقٍ زَمَنيٍّ على صفاتها أو لُحوقٍ بها. والذاتُ بصفاتها وَحْدةٌ ميتافيزيقيّةٌ يَسْتحيل تَفْكيكُها إلى أَطْوار، فما يَتَوَهَّمه المعترضُ من «أَطْوارٍ» إنّما هو إسْقاطٌ من عالَم المُمْكنات الزّمانيّة على ساحةٍ تَتَرَفّع عنها.
ومن هنا تَنْكَشِف هَزالةُ قوله: «إنّ الإلهَ يَفْتَقِر في كَماله إلى صفاته». لأنه يَفْترض أنّ ثَمّةَ ذاتًا قَبْلَ الصفات، ثمّ تَطْرأ عليها الصفاتُ فيَتِمّ بها الكَمال! وهذا الافتراضُ متهافتٍ إذ يُسَلَّم به ابتداءً ما يَنْبَغي أن يَكون مَوْضعَ البَحْث. والحقيقةُ أنّ الذاتَ وصفاتِها مُتلازمتان تَلازُمَ الضّرورة، يَسْتحيل افتراضُ ذاتٍ ساذجةٍ مُتَجَرّدةٍ من صفاتها ثمّ تَطْرأ عليها الصفاتُ، كما يَسْتحيل افتراضُ صفاتٍ هائمةٍ تَلْتَمس لها ذاتًا تَقوم بها. هذا التَّلازُمُ الضّروريّ يَنْفي عن العَلاقة بين الذات والصفات صِفَةَ «الافتقار» بالمعنى الذي يَجْري في عالَم المُمْكنات.
الوَجْهُ الرابع: في بيانِ فسادِ الثُّنائيّة المُفترضة. زَعَمَ المعترضُ أنّ المتألّه أَمامَ خِيارَيْن: إمّا «بَساطةٌ مُطْلَقةٌ» تُفْضي إلى التّعطيل، وإمّا «تَعَدُّدٌ» يُفْضي إلى التركيب. وهذه ثُنائيّةٌ زائفةٌ، تَتَنَكَّر في زِيِّ القِسْمة العَقْليّة الحاصرة، وهي في حقيقتها قِسْمةٌ غير حاصرةٍ، إذ تَغيب عنها الإمكانيّةُ الثالثةُ التي عليها مَدارُ التّحقيق، أعني وَحْدةُ الذاتِ مع تَعَدُّد المعاني الثُّبوتيّة فيها تَعَدُّدًا مَفْهوميًّا يَسْتحيل أن يَكون تَعَدُّدًا في الجَوْهر. فالذاتُ واحدةٌ بالحقيقة، والصفاتُ مُتَعَدّدةٌ بالاعتبار العَقْليّ، والمعنى الذي تَدُلّ عليه كلُّ صفةٍ يَتَمَيّز عن المعنى الذي تَدُلّ عليه أُخْرى تَمَيُّزًا في المفهوم، مع كَوْن الموصوف بهذه المعاني جميعًا ذاتًا واحدةً يَسْتحيل تَكَثُّرُها بحالٍ من الأحوال.
ولِيَتَدَبّر القارئُ هذا المثالَ التّقريبيَّ — ولو كانت الأَمثلةُ في حَقّ الباري كلُّها قاصرةً —: فإنّ ذاتَ الإنسان نفسها، وهي ذاتٌ مُمْكنةٌ مَخْلوقةٌ، تَتَّصِف بكَوْنها عاقلةً، وحَيّةً، وفاعلةً، ومُريدةً. ومُغايرةُ مفهوم «العَقْل» لمفهوم «الإرادة» في ذِهْن الإنسان أَمْرٌ ضَروريٌّ، فإنّك تَتَصَوّر العَقْلَ بمَعْزِلٍ عن تَصَوُّرك للإرادة وإن كانا قائمَيْن بذاتٍ واحدةٍ. ومع ذلك يَأْبى المُحَقّق أن يَقول: إنّ ذاتَ زيدٍ مُرَكَّبةٌ من «عَقْل» و«إرادة» تَركيبَ الجَسَد من أَعْضائه، إذ هذا تَعَدُّدٌ مَفْهوميٌّ في موصوفٍ واحدٍ، يَسْتحيل أن يَنْحَدِرَ إلى مَنْزلة التركيب الجوهريّ. هذا في حَقّ المُمْكن المَحْدود الذي تَعْتَوِره أصنافُ النَّقْص، فكيف بحَقّ الواجب لذاته الذي تَتَنَزّه ذاتُه عن أَنْحاء التركيب كلّها؟
الوَجْهُ الخامس: في نَقْض دَعْوى «الدَّوْر» في مسألة المُؤَلِّف. زَعَمَ المعترضُ أنّ القائلين بالصفات بين أَمْرَيْن: إمّا أن يَكون الإلهُ هو المُؤَلِّفَ لذاته وصفاته، وهذا دَوْرٌ، وإمّا أن يَكون ثَمّةَ مُؤَلِّفٌ خارجٌ، وهذا يَنْقُض الأُلوهيّة. وهذه، كذلك، قِسْمةٌ مَبْنيّةٌ على الفَرْض الفاسد الذي قَرَّرناه آنفًا، فَرْض أنّ الذاتَ والصفاتِ في رُتْبة الأَجْزاء التي تَحتاج إلى مُؤَلِّف يَجْمعها. ومتى بَطَلَ هذا الفَرْضُ الأَوّلانيّ بَطَلَت الإشكاليّةُ المَبْنيّةُ عليه. فإنّ التَّأْليفَ — في معناه المُحَرَّر — يَتَحقّق حيثُ يَكون ثَمّةَ أَجْزاءٌ مُسْتَقِلّةُ الوُجود، يَأْتي مُؤَلِّفٌ خارجٌ فيَجْمَع شَتاتها بَعْدَ أن كانت مُتَفَرّقةً. والصفاتُ الإلهيّةُ تَتَرَفّع عن هذه الصُّورة كلَّ التَّرَفُّع، إذ هي قائمةٌ بالذات قِيامًا أَزَليًّا لازمًا، يَسْتحيل تَصَوُّرُ تَفَرُّقها ابتداءً، فيَسْتحيل افتراضُ مُؤَلِّفٍ يَجْمَعُها. والذي يَزيدُ الأَمْرَ إيضاحًا أنّ مفهومَ «المُؤَلِّف» يَفْتَرض فاعلًا يَخْتار جَمْعَ الأَجْزاء، ويَفْتَرض زَمانًا يَتَقَدّم فيه التَّفَرُّقُ على الاجتماع. والذاتُ الإلهيّةُ بصفاتها تَتَجاوز كِلا الافتراضَيْن، فالأَزَليّةُ تُلْغي التّقَدُّمَ الزَّمنيَّ، والوُجوبُ الذاتيّ يُلْغي الحاجةَ إلى مُرَجِّحٍ خارجيٍّ. إذن، السُّؤالُ «من المُؤَلِّفُ؟» سُؤالٌ لا مَوْضوعَ له في هذا المقام، يَجْري مَجْرى السُّؤال «ما لَوْنُ صَوْت كذا؟» — وبما أنّه سُؤالٌ يَفْترض ما يَسْتحيل افتراضُه، تراهُ يَنْحَلّ بمُجَرّد الكَشْف عن مُغالَطَته الفِئَويّة (Category Mistake).
الوَجْهُ السادس: في رَدّ الإلْزام بـ«تَعَدُّد القُدماء». ادّعى المعترضُ أنّ القَوْل بالصفات الأَزَليّة يُؤَدّي إلى «تَعَدُّد القُدماء»، أيْ وُجود ذواتٍ قديمةٍ مُسْتَقِلّةٍ بعَدَد الصفات. وهذا الإلْزام يَقوم على الخَلْط بين «القَديم» بمعنى الذات المُسْتَقِلّة بنَفْسها، و«القَديم» بمعنى المعنى القائم بالذات قِيامًا لا يَقْبَل الانفِكاك. فالصفاتُ قَديمةٌ بقِدَم الذات، أَزَليّةٌ بأَزَليّتها، يَسْتحيل افتراضُ تَأَخُّرها عن الذات أو تَقَدُّمها عليها. وهذا الأَزَليّةُ المَنْسوبةُ إليها أَزَليّةٌ تَبَعيّةٌ، أيْ من حيثُ هي قائمةٌ بذاتٍ أَزَليّةٍ، يَسْتحيل قِيامُها بمَعْزِلٍ عنها. وبونٌ بَيِّنٌ بين أن تَكون الصفاتُ قائمةً بالذات قِيامًا أَزَليًّا، وبين أن تَكون ذواتًا مُسْتَقِلّةً قديمةً بأَنْفُسها، يَأْتي المُسْتَدِلّ فيَجْمع بينها وبين الذات الأَصْلِيّة في فَرْضٍ واحد.
ولهذا لعلَّك لاحظتَ آنفًا — عزيزي القارئ — عند قراءةِ هذا المَزعم (الإلْزامَ بتَعَدُّد القُدماء) أنَّهُ إنّما يَتَوَجّه على من يَتَصَوّر الصفاتِ ذواتًا مُسْتَقِلّةً، وهذا قَوْلٌ يَتَبَرّأ منه أَهْلُ التّحقيق من أَهْل الإثبات. أمّا حين تُتَصَوَّر الصفاتُ معاني قائمةً بالذات الواحدة قِيامًا ضَروريًّا، فإنّ الإلْزامَ يَنْحَلّ ذاتيًّا، إذ القَديمُ بالحقيقة واحدٌ هو الذات الإلهيّة، والصفاتُ قديمةٌ بقِدَمها لا بقِدَمٍ مُسْتَقِلٍّ يَجْعلها في عِدادها.
الوَجْهُ السابع: في إبطال «فَخّ الافتقار والحاجة» تحديدًا. زَعَمَ المعترضُ أنّ الباري يَفْتَقِر إلى صفاته في تَحَقُّق كَماله، فيَنْتَفي عنه الغِنى المُطْلَق. وهذا الزعم يجري على نَسَق «التَّفْكيرَ المَجْزوء» (Mereological Fallacy)، وهو الذي يُعامِل الكُلَّ بأَحْكام جُزْئيّاته، فيُسْنِد إلى الكُلّ ما هو في الحقيقة وَصْفٌ للجُزْء، أو يُجْري على الكُلّ ما يَجْري على الأَجْزاء على وَجْه التَّجْزِئة. فإذا قيل: «الإلهُ يَفْتَقِر إلى عِلْمِه ليَكون عالمًا»، فاعلم أنّ الذي يُسَوّغ هذه العِبارةَ هو افتراضُ أنّ «الإله» في حَيِّزٍ، و«العِلْم» في حَيِّزٍ آخر، ثمّ يَلْتَئم الأوّل بالثاني فيَتَحَقَّقُ وَصْفُ العِلْم. والحقّ أنّ كَوْنَه عالمًا عَيْنُ كَوْنِه ذاتًا أَزَليّةً واجبةَ الوُجود، فالذاتُ بحقيقتها الأَزَليّة عالمةٌ، يَسْتحيل عليها أن تَكون «شيئًا» ثمّ تُفيدها صفةُ العِلْم وَصْفًا زائدًا.
ومفهومُ «الغِنى المُطْلَق» الذي يَتَوَهَّم المعترضُ مَناقَضتَه إنّما هو الغِنى عن كلّ ما عَدا الذات، أيِ امتناعُ الافتقار إلى مَوْجودٍ يُغايرُ الذاتَ. والصفاتُ القائمةُ بالذات قِيامًا ضَروريًّا تَدْخُل في حَيِّز الذات، تَدْخُل ضِمْنَها لا في عِدادِ ما يُغايرُها. فالغِنى المُطْلَقُ هو الغِنى عن المُغايرات، والصفاتُ ليست في عِدادِ المُغايرات، فالنَّقْضُ يَسْقُط من أَساسه.
هاهُنا تَنْكَشِف الحقيقةُ، حقيقةُ أنّ المعترضَ قد سَلَكَ في صياغة شُبْهَته مَسْلَكَ من يَعتمد ابتداءً على تَصَوُّرٍ مُعَيَّنٍ للذات الإلهيّة، هو ذاكَ التَصَوُّر المُسْتَوْرَد من الأَفْلوطينيّة في أَخَصّ صُوَرها، ثمّ يَجْعل هذا التّصَوُّرَ هو «الإلهُ» الذي يُجْري عليه أَحْكامه (كذلِكَ يَزعَمهُ مَعبُودَ المؤلِّهةِ الذِي يَرومُ نَقضه!)، فإذا تَناقَضَ التّصَوُّرُ مع نفسه ادّعى المعترضُ أنّه قد أَبْطَلَ الإلهَ من أَصْله. وما أَبْطَلَ في الحقيقة إلّا الصُّورةَ التي رَسَمَها هو في ذِهْنه، وهي صورةٌ يَتَبَرّأ منها أَهْلُ التَّحْقيق طُرّا.
الوَجْهُ الثامن: في الانعطاف على المعترض بإشكاله نَفْس. ولنقل: طيِّب، نُسلِّم لك ونفرِض جَدَلًا أنّ القَوْلَ بصفاتٍ مُتَعَدّدةٍ في الذات الواحدة يَسْتلزم تَركيبًا يُنافي الوُجوبَ الذاتيّ. فماذا يَصْنع المعترضُ بنَفْسه حين يَتَكَلّم على «الواقع المادّيّ» أو «القَوانين الفيزيائيّة الكُبرى» التي يَتَّخِذها بَديلًا عن الإله في تفسير الوُجود؟ إذ هذه «القَوانين» في تَصَوُّرها العِلْميّ المُعاصر تَنْطوي على تَعَدُّدٍ هائلٍ، منها: قَوانينُ الجاذبيّة، والقُوى النَّوَويّة الكُبرى والصُّغرى، والكَهْرومَغناطيسيّة، وثَوابتُ فيزيائيّةٌ بالعَشَرات، وكلها يَلْتَئم منها بناءُ الكَوْن. وكلُّ قانونٍ من هذه يُغايرُ الآخَرَ في المفهوم وفي الأَثَر، فإذا كان «التَّعَدُّدُ المعنويّ» مُسْتَلْزِمًا للتركيب القادح في الوُجوب، فالتزامُ المعترض بهذه القَوانين بَدَلًا عن الإله يَجْعله أَوْلى بالنّقد منّا، إذ يُثْبت عَدَدًا من «الأَوّليّات» يَجْعلها ذواتٍ غيرَ مَخْلوقةٍ تَفْتَقِر إلى مُؤَلِّفٍ يَجْمعها في «نَسَقٍ كَوْنيٍّ مُتَّسِق» — ولا يَشْفَعُ لهم هُنا التّعَلُّقُ بآمال العِلْمِ المُعاصِر في رَدِّ هذه الكَثْرةِ إلى «مُعادَلةٍ رياضِيّةٍ مُوَحَّدةٍ» أو ما يُسَمّى بنَظَريّةِ كلِّ شَيْء (Theory of everything)، فإنّ تلك المُعادَلةَ المَأْمولَةَ لو صَحَّتْ سَتَظَلُّ تَركيبًا رِياضِيًّا مُفْتَقِرًا إلى مُرَجِّحٍ يُخْرِجُه من حَيِّز الإمكانِ الذِّهْنيّ إلى فِعْلِ الإيجاد، ولَنْ تَرْقى بحالٍ إلى رُتْبةِ الواجبِ لِذاته المُسْتَغْني عن العِلَل — والذي يَتَفَلَّت به الملحدُ من هذه المُعْضلة هو نفسُه الذي يَتَفَلَّت به المُؤْمن، عبرَ التّمييزُ بين «التَّعَدُّد المَفْهوميّ» و«التركيب الجَوْهريّ»، وأنّ تَعَدُّدَ المعاني في كِيانٍ واحدٍ شَيْءٌ، وتَأَلُّفَ الجَوْهر من أَجْزاءٍ مُسْتَقِلّةٍ شَيْءٌ آخرُ. وحين يَلْتَجِئ الملحدُ إلى هذا التّمييز ليُنْقِذ نَموذَجَه الفَلْسفيَّ، يَنْكَشِف له أنّه قد أَدْرَكَ بنَفْسه ما كان يُنْكِره على المُؤْمنين، فيَكون كَالذي يَنْقُض قَرارَه بتَطْبيقه، ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾.
الوَجْهُ التاسع: في تَحْرير العَلاقة بين الذات والصفات على نَمَطٍ يَتَجاوز ثُنائيّةَ «العَيْنيّة» و«الغَيْريّة». وبيانُ ذلك أنّهُ طُرحت في تاريخ النّظر الكلاميّ ثلاثُ صِيَغٍ للعَلاقة بين الذات والصفات: الأُولى أن تَكون الصفاتُ عَيْنَ الذاتِ، وهو ما يُؤَدّي إلى التَّعطيل وتَجْريد الذات من المعاني الحَقيقيّة. والثانية أن تَكون الصفاتُ غَيْرَ الذات، وهو ما يُؤَدّي إلى تَعَدُّد القُدماء. والثالثةُ — وهي الصِّيغةُ التي عليها مَدارُ التّحقيق — أن تَكون الصفاتُ معاني قائمةً بالذات قِيامًا يَتَجاوز ثُنائيّةَ العَيْنيّة والغَيْريّة، فيُقال فيها: «هي ليست هي ولا هي غيرها»، وهي عبارةٌ تَتَلَجْلَج فيها أَلْسُنُ المُتَعَجّلين، ويَفْتَحها التّأَمُّلُ على معنًى عميقٍ، حاصلُه: أنّ القَوْلَ «هي عَيْنُ الذات» يَنْفي عنها التّمايُزَ المَفْهوميَّ الذي يَدُلّ عليه ضَرورةُ التّفْريق بين العِلْم والقُدرة، والقَوْلَ «هي غَيْرُ الذات» يُثْبت لها استقلالًا يَجْعلها ذواتًا قائمةً بأَنْفُسها. والصواب الذي يَتَلَطّفُ بين الإفراطَيْن أنّ يُقال: هي معانٍ تَقوم بالذات قِيامًا لا يَجْعلها هي الذاتَ بإطلاق، ولا يَجْعلها مُسْتَقِلّةً عن الذات بإطلاق.
وقد يَسْتَنْكِر المعترضُ هذه الصِّيغةَ ويَقول: هذا هُروبٌ من الإلْزام بصِيغةٍ غامِضةٍ. والجوابُ أنّ «الغُموضَ» إنّما يَقْدَح حين يَنْشَأ عن خَلَلٍ في التّصَوُّر أو ترَدُّدٍ في التّحْديد. أمّا حين يَكون انعكاسًا أَمينًا لطبيعة المَوْضوع الذي يَتَجاوز التّصْنيفاتِ الإنسانيّة المُعْتادةَ، فإنّه يَكون عَيْنَ الدِّقّة، إذ تَطْبيقُ التّصْنيفات الإنسانيّة على ما يَتَجاوزها — واجِبِ الوُجود! العِلّةِ الأُولى! المُحَرِّكِ الأوّل! الله! — هو عينُ الخَلَلُ. وقد التَفَتَ كِبارُ المُحَقّقين في الفلسفة المُعاصِرة إلى أنّ بعض المَفاهيم تَسْتعصي على التّصْنيف الثُّنائيّ، وأنّ الإصرارَ على تَصْنيفها يَفْرض على المَوْضوع قَوالبَ تَأْباها طبيعتُه (يُنْظَر: تفكيك دريدا للثُّنائيّات، و «الفكر المركّب» عند موران، وأبحاث فيتغنشتاين المُتأخِّرة). فالذاتُ الإلهيّة، إذن، بحَقيقتها المُتعالية أَوْلى بأن تَتَجاوزَ تَصْنيفاتنا الذِّهنيّة المَوْضوعةَ لمُعالَجة المُمْكنات.
الوَجْهُ العاشر: في بَيان أنّ مَنْشَأَ الشُّبهة في حقيقتها هو إقحامُ المَقُولات الأَرسطيّة على ساحةٍ تَأْباها. فمَقُولات «الجَوْهر والعَرَض»، و«الجِنْس والفَصْل»، و«المادّة والصُّورة»، إنّما وُضعت في الأَصْل لتَحْليل الموجودات المُمْكنة الواقعةِ في نِطاق التّجْربة الإنسانيّة. فحين تُحْمَل هذه المَقُولات على الواجب لذاته، يَقَع المُحَلِّلُ في إشكالاتٍ هي من صَنيع آلَتِه التَّحْليليّة، يَحْسَبُها إشكالاتٍ في المَوْضوع المُحَلَّل. والحَلُّ يَكون بإعادة النّظر في صَلاحِيّة الآلة قبل الاستمرار في التَّحْليل. وهذا ما عَنَاه المُحَقّقون من أَهْل الكلام حين قَرّروا أنّ الذاتَ الإلهيّةَ تَتَنَزّه عن أن تَدْخُلَ في مَقُولاتِ «المُمْكنات»، وأنّ صفاتها لا تَجْري عليها أَحْكامُ «العَرَض» الذي يَطْرأ على الجَوْهر فيُعَلّله. فلذلكَ نجدُ أنَّهُ حينَ يُسْتوْعَب هذا الإطارُ الأَوْسعُ، ينحَلّ طرفٌ كبيرٌ من الإشكاليّةُ، بل رُبَّما كلُّها!
فكلُّ هذه الوُجوه التي عَرَضْناها (وإن كانَتْ لا زالتْ طَرَفًا يَسيرًا مِمّا يُمْكِنُ بَسْطُه) تَجْتَمع على معنًى واحد، أنَّ الحُجّةَ التي يُعترَضُ بها مَبْنيّةٌ على رصيصٍ من الافتراضات الخَفيّة، يُسَلَّم بها ابتداءً ثمّ يُجْرى عليها التّحْليلُ. ومتى عُرِّيت هذه الافتراضاتُ من ثيابها التي اسْتَتَرَت بها، انْكَشَفَ هَوانها، واتَّضَحَ أنّ الحُجّةَ تَعْتمد على نَقْل المَفاهيم من سياقها، وتَعميم أحكامها، والخَلْط بين أَنْحاء التركيب المُتباينةِ في حَقيقتها، وافتراض تَصَوُّرٍ للذات الإلهيّة يأباهُ أَهْلُ التَّحْقيق قبل أن يَتَوَجّه إليه النّقد.
والذي يَنْبَغي للمُسْلم أن يَطْمئنّ إليه واضح، وهو أنّ ربَّه تَعالى مَوْصوفٌ بصفات الكَمال على وَجْهٍ يَلِيق بجَلاله، تَتَنَزّه ذاتُه عن مُماثَلة الحوادث، وتَتَنَزّه صفاتُه عن أن تَجْري عليها أَحْكامُ المَخْلوقات. يَعْلَم بعِلْمٍ يَلِيق به، ويَقْدِر بقُدرةٍ تَلِيق به، ويُريد بإرادةٍ تَلِيق به، من غير أن تَكون هذه الصفاتُ أَجْزاءً تَتَأَلَّف منها ذاتُه، أو أَدَواتٍ يَفْتَقِر إليها في تَحَقُّق كَماله، أو أَعْراضًا تَطْرأ على جَوْهره. هي معانٍ ثُبوتيّةٌ قائمةٌ بالذات قِيامًا أَزَليًّا، تَتلازَم مع الذات تَلازُمَ الحَقيقة، يَسْتحيلُ افتراضُ ذاتٍ بدونها كما يَسْتحيلُ افتراضُها بدون الذات. وحين يُسْتَوْعَب هذا التّقريرُ على وَجْهه، تَتَهاوى كلُّ الشُّبْهات التي تُلَفَّق على هذه المسألة، وتَعود إلى أَصْلها الذي خَرَجَت منه وبيّناه أعلاه.
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
سُبحانه وتَعالى، الواحدُ الأَحَدُ، الفَرْدُ الصَّمَدُ، الذي تَعالى عن مُجانَسة المُحْدَثات، وتَنَزَّه عن مُشابَهة المَصْنوعات، الذي اسْتَوى له الكَمالُ من كلّ وَجْهٍ، فلا تُدْرِكه عُقولُ المُتأمّلين إلّا بقَدْر ما يَأْذَن، ولا تُحيط به ظُنونُ المُسْتَدِلّين إلّا بقَدْر ما يَكْشِف، الذي اسْتَأْثَرَ بالغَيْب فلَمْ يُطْلِع عليه إلّا من ارْتَضى من رَسولٍ، الذي وَسِعَت رحمتُه كلَّ شَيْءٍ، وأَحاطَ عِلْمُه بكلّ شَيْءٍ، وقَهَرَت قُدرتُه كلَّ شَيْءٍ، الذي تَتَواضع لجَلاله الجِبالُ الرَّواسي، وتَخْشَع لعَظَمته السَّمَواتُ العُلى. تَبارَكَ اسْمُه، وجَلَّ ثَناؤه، وعَزَّ سُلْطانُه، وامْتَدَّ في الأَزَل والأَبَد مُلْكُه وحَمْدُه. وصلّى الله على سيّدنا محمّدٍ، خاتَم النَّبيّين، وإمام المُتَّقين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

