بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على النبيّ الأمّيّ الذي أُوتيَ جوامعَ الكلم، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثرهم من كلِّ الشعوبِ والأمم.
أما بعد؛ فلا يخفى على مَن بُليَ بحبِّ الجدل -مثلي ومثلك- أن قد أمسى لفظ «الإله» في زماننا كالدرهم الزَّيف، يَرُوج في كل سوق، ويُدفع في كل مبايعة. وإنما صرفتُ همّتي في مقالتي هذه إلى التمييز بين ما ساقه أبو علي الحسين بن عبد الله في «واجب الوجود»، وما ذهب إليه أبو ميغيل باروخ سبينوزا في «الجوهر».
واعلم، أرشدك الله، أنك متى وقفتَ على ما أقصّه عليك، فلا تعجل بإنكاره؛ فلعله كان ولم يكن، ولعله قد يكون، ولعله هَجسٌ في النفس، أو طيفٌ ألمّ بي في عالم المُثُل الذي به يزعمون!
وذلك أني بتّ ليلتي بعد لجاجٍ مع رجلٍ رماني بأنّي «عاميّةٌ عابدةٌ للخرافة» -وكان صاحبنا يخلط في قوله خلطًا منكرًا- فيقول: «العلة الأولى» و«الطبيعة الطابعة» و«واجب الوجود» أسماءً مترادفة لمسمىً واحد، ثم يتبجح بعقله إذ رضيَ بـ«واجبِ وجودٍ بسيطٍ عَرِيٍّ عن الصفات»، زعمًا منه أن سلب الصفات عن إلهه مَكرمةٌ للإله ولعقله سواءً بسواء. فلما أخذني الكرى، انتبهتُ فإذا أنا في صقعٍ غريبٍ لم أرَ مثله قطّ، كأن أرضه طِرسٌ ممدود، وفي أفقه أسطرٌ تسري مسرى الغيم. وإذا برجلين: أحدهما جَعدٌ طويل، مُكِبٌّ على كاغدٍ عظيم، فعلمتُ بالبديهة أنه الشيخ الرئيس. وبإزائه رجلٌ معتكفٌ على آلةِ وقتٍ يجلو زجاجتها، فعلمتُ أنه سبينوزا. فقلت في نفسي: طاب اللقاء! اليوم أنتصف من خصمي، ولأنظرنّ: هل كان الرجلان يلهجان بإلهٍ واحد كما مُوِّهَ لي؟
في بيان العناية والمقصود، وحقيقة صفات المعبود
قلت: أيها الحكيمان، إنّي حائرة، وحيرتي في أصل الأصول. فقد قيل لي إنّ «الأوّل» عند الشيخ هو «الجوهر» عندك يا سبينوزا، وأنّ الخلاف إنّما هو خلافُ لفظ. ولذا؛ فليُسفر كلٌّ منكما عن وجه مذهبه، وليُفصح عن مكنون قوله، وليُجلِ دياجي هذه الشبهة؛ ما المبدأ الأوّل؟ وبأيّ طريق يُعلم؟ وما نسبةُ العالم إليه؟
قال الشيخ: أمّا عندي فهو واجب الوجود بذاته. وبيانه أنّ الموجود ينقسم بالقسمة الأوّليّة قسمين: موجودٌ إذا اعتُبِرَت ذاتُه من حيث هي وجب وجوده، وموجودٌ إذا اعتُبِرَت ذاتُه من حيث هي لم يجب ولم يمتنع، وهذا هو الممكن. والممكن يستوي طرفاه، فيفتقر في خروجه إلى الفعل إلى مرجِّح خارج عن ذاته، وإلّا لزم ترجُّح أحد المتساويين من غير مرجِّح. ثمّ جملةُ الممكنات، أُخذت آحادًا أو أُخذت جملةً، ممكنةٌ في نفسها، فتنتهي بالضرورة إلى ما ليس بممكن، وهو الواجب. وهذا الواجب واحدٌ بالعدد، بسيطٌ في ذاته، ماهيّتُه إنّيّتُه، أعني أنّه يمتنع أن تكون له ماهيّةٌ زائدة على وجوده يكون الوجود لها عارضًا، إذ العارض يفتقر إلى مُعرِض، فيعود ممكنًا. والعالم صادرٌ عنه على ترتيبٍ عقليّ، لزومًا عن ذاته، من غير قصدٍ زائد ومن غير انفعالٍ يعرض له.
فقال سبينوزا: أما أنا فأقول: أعني بالجوهر ما هو في ذاته ويُتصوَّر بذاته، فهو ما لا يفتقر تصوُّره إلى تصوُّر شيءٍ آخر يتكوّن منه. وأعني بالصفة ما يدركه العقل من الجوهر على أنّه مقوِّمٌ لماهيّته. وأعني بالله جوهرًا لا متناهيًا، له صفاتٌ لا نهاية لعددها، كلُّ صفةٍ منها تُعبِّر عن ماهيّة سرمديّة لا متناهية. ثمّ أقول: جوهران متّفقان في الصفة يمتنع تمايزهما، إذ لا يبقى ما يتمايزان به سوى الأحوال، والأحوال متأخّرة عن الجوهر. ويمتنع أن يكون جوهرٌ معلولًا لجوهر آخر، لأنّ المعلول يُتصوَّر بعلّته، والجوهر يُتصوَّر بذاته. فالجوهر إذن علّةُ نفسه، وماهيّتُه تتضمّن وجودَه، وهو واحدٌ ليس في الوجود سواه. فما يسمّيه جماعةُ المؤلهة «ممكنات» هو عندي أحوالٌ للجوهر، أي انفعالات له وُجدت فيه وتُتصوَّر به. فالله علّةٌ حالّةٌ في الأشياء، لا علّةٌ مفارقةٌ لها.
قال الشيخ: أنا وإن كنتُ أُسلِّم أنّ الأوّل واحدٌ وأنّ وجوده من ذاته، لا أرى في صيرورة المعلول حالًا فيه. إذ المعلول، من حيث هو معلول، له حقيقةٌ غير حقيقة علّته، وإلّا كان العلّةَ بعينها فبطل التعليل. فإذا جعلتَ الأجسام والنفوس أحوالًا للجوهر الإلهيّ، وردن عليك القسمة والتغيُّر في ذاته، وهذا لا يجوز، إذ المنقسم مركّب، والمركّب مفتقرٌ إلى أجزائه، والمفتقر ممكن.
فقال سبينوزا: هذه القسمة راجعةٌ إلى المخيّلة دون العقل. فإنّا إذا تصوّرنا الامتداد صفةً، أعني من حيث هو جوهر، ظهر أنّه لا يقبل القسمة أصلًا؛ وإنّما ننتزع الأجزاء حين نتخيّل الأجسام المفردة قائمةً بأنفسها. والحال لا يقتطع من الجوهر شيئًا، إذ هو تعيُّنٌ فيه لا جزءٌ منه. ثمّ أقول لك: هذه الممكنات التي أثبتَّها موجودةً خارج الله، أهي في ذاتها شيءٌ يُتصوَّر بذاته؟ فإن قلتَ نعم فقد أثبتَّ جواهر أُخر؛ وإن قلتَ إنّها تُتصوَّر بعلّتها ولا قوام لها دونها، فقد قلتَ بقولي وسمّيتَه باسمٍ آخر. وأنت مع هذا تجعل صدور العالم لزومًا عن الذات، فقد وافقتَني في نفي القصد الحادث، وبقي الخلاف في اسم «الخارج».
قال الشيخ: ليس في «الخارج» ما توهمت في الأصل. والوجود يقال على ما تحته بالتشكيك، بالأولويّة والتقدُّم والتأكُّد، فوجود المعلول أضعفُ رتبةً وهو مع ذلك وجودٌ حقيقيّ قائم بذاته قيامَ الممكن، محتاجٌ إلى مُوجِبه حاجةً دائمة في بقائه كحاجته في حدوث ذاته. فالافتقار وصفٌ لازم للمعلول، والاستغناء وصفٌ لازم للأوّل، والتغاير بينهما تغاير حقيقة لا تغاير اعتبار. وأمّا قولك بالصفات التي لا نهاية لها، فإنّي أُنزّه الأوّل عن الكثرة في ذاته بالمجمل، وأجعل ما يُوصف به راجعًا إلى سلبٍ أو إلى إضافة، كقولنا: واحدٌ، أي مسلوب الشريك؛ ومبدأٌ، أي منسوب إليه ما بعده.
فقال سبينوزا: الكثرة إنّما تلزم حيث تكون الأجزاء متقدّمةً على الكلّ. والصفة عندي تُعبِّر عن الماهيّة بتمامها، وكلّ صفةٍ تُتصوَّر بذاتها من غير افتقار إلى الأخرى، فلا تقدُّمَ لواحدةٍ ولا تركيبَ من مجموعها، والجوهر واحدٌ بعينه ينظر إليه العقل من هذا الوجه ومن ذاك. وأخشى أن يكون تنزيهُك بالسلوب انتهى بك إلى معبودٍ يُثنى عليه بالإضافات فحسب!
قال الشيخ: هذا لا يستقيم إذا علمنا أن السلبُ في حقّه تعالى عين إثباتِ الكمال، أمّا الإضافة فهي لاحقةٌ بالذات، والذات في نفسها وجودٌ محضٌ لا نهاية لشدّته.
فبان لي أنّ الرجلين يتواردان على لفظ «الواجب» ويفترقان في المسمّى؛ فبقي إذن أن أسألهما عن العناية والقصد والصفات، فإنّ خصمي كان يشتري بهذا الخلاف كلَّه فراره من الجواب.
قلت: قد فرغتما -محمودين- من المبدأ، وبقي أن أسألَ عن قول خصمي: كلُّ من نفى القصدَ عن الأوّل (يعني المؤلهة المشائية) فقد ساوى بين إلهه وبين الطبيعة الطابعة، وكلُّ من قال إنّ العالم يلزم عن الذات لزومًا فقد أبطل العناية، وكلُّ من ردَّ الصفات إلى الذات فقد عطَّل. فأخبراني: هل للأوّل علمٌ بما دونه؟ وهل له إرادةٌ وقصد؟ وهل يوصف بصفاتٍ زائدة أو غير زائدة؟ وما معنى «العناية» على أصلكما؟
قال الشيخ: أمّا عندي فالأوّل عاقلٌ وعقلٌ ومعقول، يعقل ذاته بذاته، ولمّا كانت ذاتُه مبدأً لنظام الخير في الوجود، لزم أن يكون عقلُه لذاته عقلًا لما يلزم عنها على ترتيبه. والعناية هي إحاطة علمِ الأوّل بالكلّ، وبالوجه الذي يجب أن يكون عليه الكلُّ حتّى يكون على أحسن النظام، وبأنّ ذلك واجبٌ عنه وعن إحاطته به. فعلمُه بالنظام هو نفسُه سببُ النظام، من غير أن يستفيد من المعلوم صورةً، ومن غير أن يعرض له داعٍ حادثٌ يتوجّه به إلى غرض. والقصد إلى الغرض استكمالٌ بالمقصود، والأوّل تامٌّ فوق التمام، فتنزَّه عن أن يفعل لغرضٍ يعود إليه. وإرادتُه رضاه بفيضان الخير عنه، وهذا الرضا عين علمه، وعلمُه عين ذاته. وأمّا علمه بالجزئيّات فعلى نحوٍ كلّيّ، أعني بأسبابها المفضية إليها، حتّى يعلم كلَّ كائنٍ بأوصافه التي ينفرد بها، من غير أن يدخل في علمه «الآن» و«قبلُ» و«بعدُ» فيتغيّر.
فقال سبينوزا: وأنا أقول إنّ العقل والإرادة راجعان إلى الطبيعة المطبوعة دون الطبيعة الطابعة، فهما بذا حالان من أحوال الجوهر يُتصوَّران بصفة الفكر، والحال متأخّرٌ عن الجوهر تأخُّرَ المعلول عن علّته. فإن أُطلق على الله «العقل» و«الإرادة» بمعنى ماهيّته السرمديّة، فبينهما وبين عقلنا وإرادتنا من الاشتراك ما بين الكلب برجًا في السماء والكلب حيوانًا نابحًا على الأرض، أي محض اتفاقٍ في اللفظ. فالله يفعل بمقتضى ضرورة طبيعته وحدها، فتلزم عنه الأشياء كما يلزم عن ماهيّة المثلّث أنّ زواياه تساوي قائمتين. وأمّا الغايات، فأحكامٌ انتزعها الناس من أنفسهم ثمّ حملوها على الطبيعة، لأنّهم يشعرون بأفعالهم ويجهلون أسبابها، فيحسبون أنّ كلّ شيء صُنع لأجلهم.
قال الشيخ: أراه يوافقني في السلب ويُفارقني في الإثبات. لأنّي أنفي القصدَ الزائد كما نفاه، وأثبت أنّ صدور العالم عن الأوّل صدورٌ عن علمٍ هو عين ذاته، فالنظام معقول لمبدئه من حيث هو خيرٌ، والترتيب مقصود بالذات وإن امتنع أن يكون مقصودًا بالغرض. وهو لمّا جعل العقلَ حالًا متأخّرًا عن الجوهر، بقي الجوهر يُفيض الأحوال من غير أن يعقلها، فالفيض ضرورة عمياء تشبه ضرورةَ الحجر في هُويِّه.
فقال سبينوزا: لكن الضرورة العقليّة أبعدُ شيءٍ من العمى أيها الشيخ، فالخصائص تلزم عن ماهيّة الشكل لزومًا يدركه العقل ويقيم عليه البرهان، من غير أن يفتقر الشكل إلى إدراكٍ سابق يُخرجها. ثمّ إنّ العقل اللامتناهي بالفعل يُدرك كلّ ما يلزم عن الجوهر، ويكون إدراكه إيّاها هو نفسَ كونها، إذ ترتيب الأفكار وترتيب الأشياء واحد. وأمّا قولك «أحسن النظام»، ففيه بقيّةٌ من مقياس الإنسان؛ إذ الكمال والواقعيّة عندي شيءٌ واحد، والخير والشرّ نسبتان تُنسبان إلى منفعتنا، والأشياء وُجدت على الوجه الذي يمتنع خلافُه، فمدحُها بأنّها «أحسن» تزيُّدٌ.
قال الشيخ: بل الخير معنًى في نفس الأمر، فهو الوجود وكمال الوجود، والشرّ عدمُ ذات أو عدمُ كمالٍ لذات. فإذا كان الأوّل وجودًا محضًا لا يشوبه عدم، كان خيرًا محضًا بالحقيقة لا بالإضافة إلينا. ومن هذا الأصل أثبتُّ العناية، ومن إنكاره سقط عندك اسمُها ومعناها جميعًا.
فقلت معترضة: يا شيخنا! أهلُ زماننا -غفر الله لهم- يجعلون شربكما من مورد واحد، ويقولون: هذا نفى الصفات مثل ذاك، فهما إمامان في التعطيل.
قال الشيخ: سبحان الله! ومن أنبأهم أنّ نفي الزيادة نفيٌ للمعنى؟ إنّي أثبتّ للأوّل العلمَ والقدرة والحياة والجود والإرادة إثباتًا حقيقيًّا، بل قلتُ إنّ هذه المعاني تصدق عليه صدقًا لا مجاز فيه، وأنّ مفهوماتها متغايرة، ومصداقها ذاتٌ واحدة بسيطة. وأمّا التعطيل فسلبُ المعنى نفسِه حتّى يبقى المعبود اسمًا فارغًا؛ فأين هذا ممّا ذهبتُ إليه من سلب التركيب عن الذات مع بقاء المعاني قائمةً بها على وجه الوحدة؟ ثمّ إنّي أثبتُّ للأوّل مفارقته للمادّة وللأجسام، وأثبتُّ أنّه ليس محلًّا لشيء ولا حالًّا في شيء، وأنّ ما دونه معلولٌ خارجٌ عن حقيقته يفتقر إليه في كلّ آنٍ افتقارَ الممكن إلى مُوجِبه. فكيف يسوون بيني وبين الذي يقول بأنّ الأجسام أحوالٌ في الجوهر الإلهيّ؟ ولو أنصف القوم لطالبوا كلَّ واحدٍ منّا ببرهانه على حدة.
فقال سبينوزا: وأنا أزيدُ بأنّ بيننا فرقًا يمتنع رفعه، فهو يُبقي بين العلّة والمعلول حدًّا يمنع الاتّحاد، بينما أرفع أنا ذلك الحدّ لأنّ إبقاءه يُوجب جوهرين. غير أنّي أوافقه في أنّ من نسب إلى الله شوقًا ورحمةً تعرض له، فقد صوّره على مثاله.
في النبوة
قلت: فقد صحّ أنّ اتّفاقكما في سلب الغرض غيرُ اتّفاقٍ في المعبود. وبقي مقام النبوّة، وهو مَزَلّةٌ أخرى. فهل تُثبتان النبوّة أصلًا؟ وإن أثبتماها، فبأيّ قوّةٍ من قوى النفس تكون؟ وما مرتبةُ ما يُلقى إلى النبيّ من العلم قياسًا إلى علم الحكيم؟ وأنت أيها الفاضل سبينوزا، قد شاع عندنا أنّك تجعل النبوّة كذبًا وتصنعًا وحيلةً على العامّة، فأصدُقني، ولا تخشَ مني بطشًا فما أملك في محلّي هذا شيئًا: أهكذا مذهبك؟
قال الشيخ -وقد تواطأنا في غير نُطقٍ على إفراده بالبَدء استيفاءً لحقّ السَّبق في الزمان-: أمّا عندي فالنبوّة واجبةُ الوقوع في العناية، ومرتبتُها أعلى مراتب النوع الإنسانيّ. وبيانها من وجهين: وجه يرجع إلى النفس الناطقة في ذاتها، ووجه يرجع إلى بقاء النوع. أمّا الأوّل فإنّ النفس تعقل بقوّةٍ هيولانيّة تخرج إلى الفعل باتّصالها بالعقل الفعّال، والناس في استعداد هذا الاتّصال على تفاوتٍ يقبل الزيادة والنقصان. فمنهم البليد الذي يفتقر في كلّ مطلوبٍ إلى معلّمٍ وتكرار، ومنهم المتوسّط، ومنهم من له الحدس، وهو حصول الحدّ الأوسط في الذهن دفعةً من غير طلب. ثمّ إذا بلغ التفاوت غايتَه القُصوى جاز أن توجد نفسٌ صافيةٌ شديدةُ الاتّصال، يشتعل فيها الحدس في أكثر المطالب أو في جميعها، فتقبل الصور المعقولة من العقل الفعّال في زمانٍ قريبٍ من الآن، وهذه القوّة أسمّيها العقل القدسيّ، وهي جنسٌ من قوّة العقل الهيولانيّ يعلو على سائر أفراده علوًّا يكاد يخرجه عن الجنس.
والوجه الثاني أنّ الإنسان يمتنع أن يستقلّ بمعيشته وحده، فهو مضطرٌّ إلى الشركة والمعاملة، والشركة تستدعي سنّةً وعدلًا، والسنّة تستدعي سانًّا ومُعدِّلًا؛ ومن المحال أن يُترك أمرُ العدل إلى آراء الناس فيقتتلوا في تعيينه. فوجب في العناية أن يوجد إنسانٌ يُخاطَب فيُشرَّع على لسانه، وأن يُعطى من الآيات ما يُثبت عند الجمهور صدقَ دعواه. ولمّا كان الجمهور يعجز عن تصوّر المعاني المجرّدة على ما هي عليه، وجب أن يُخاطَبوا بالتمثيل والترميز والتشبيه، فيُقرَّر عندهم من العلم بالمبدأ والمعاد قدرُ ما يُصلح أعمالهم، ويُصان الحقُّ المحض لأهله.
قلت: فأين موقع المتخيّلة من هذا؟
قال الشيخ: هي الوجه الثالث. فإنّ للنفس قوّةً متخيّلةً تحاكي المعاني بصورٍ محسوسة، وقد ترى ذلك في المنام؛ إذ يتّصل الإنسان في نومه بالمبادئ اتّصالًا ضعيفًا، فتنزل عليه المعاني، فتحاكيها المتخيّلة فيرى الأمر المستقبَل في صورة رؤيا تفتقر إلى تعبير. فإذا وُجدت نفسٌ قويّةٌ لا تشغلها الحواسُّ في يقظتها عن الاتّصال، وكانت متخيّلتُها قويّةً تامّة الطاعة، صارت المعاني المعقولةُ عندها محسوسةً مسموعةً، فسمع كلامًا منظومًا ورأى صورةً بهيّة، وهو الملَك. والمسموع كلامُ الله بالحقيقة، من جهة أنّ فيضه من عنده على الترتيب الذي ذكرتُه في العناية.
فقال سبينوزا: أمّا عندي فهي علم يقين بأمر أوحاه الله إلى الناس. وما جعلتُ الأنبياء كاذبين كما زعم من ذكرتِ، بل أُقرّ بأنّهم كانوا صادقين في إخبارهم عمّا شاهدوا، أتقياء في سيرتهم، مُوصين بالعدل والإحسان، وأنّهم أفادوا الناس أعظمَ ما يُفاد. غير أنّي أقول إنّ أولئك الأنبياء، امتازوا بقوّة التخيّل على سائر الناس، لا بقوّة الفهم؛ ولهذا جاءت أقوالهم في الأمور النظريّة على مذاهبَ متباينة، وجاءت في الطاعة والاستقامة متّفقةً غاية الاتّفاق.
والحجّة على أنّ امتيازهم في التخيّل ظاهرٌ في أنّ الوحي جاءهم مختلفًا باختلاف أمزجتهم وأخيلتهم وآرائهم السابقة. فمن كان مزاجه معتدلًا سرورًا رأى ما يوافق السرور، ومن غلب عليه الحزن رأى الغضبَ والحربَ والويلات؛ ومن كان فلّاحًا رأى البقر والسنابل، ومن كان جنديًّا رأى الجيوش والقادة، ومن كان أميرًا رأى العروش. ولو كان مدارُ النبوّة على العقل، لكان المُدرَك واحدًا عند الجميع كما تتّحد نتائج البرهان عند كلّ من فهمه. ثمّ إنّ الأنبياء افتقروا في تصديق ما نزل عليهم إلى آية تُطلَب، وطلبُ الآية دليلٌ على أنّ اليقين الحاصل لهم يقينٌ أخلاقيّ يستند إلى العلامة والانقياد، دون اليقين الرياضيّ الذي تكفي فيه الفكرةُ نفسها ولا تفتقر إلى شاهدٍ من خارج. فالنبوّة على هذا التقدير أفضلُ من جهة النفع في السياسة والطاعة، وأدنى من جهة الوثوق البرهانيّ.
قلت: فقد قاربت إذن في المتخيّلة وباعدتَ في العقل، لأنّ الشيخ الرئيس جعل المتخيّلة خادمةً تابعة، وجعل الأصل اتّصالًا عقليًّا بالمبدأ الفيّاض، فكأن النبيّ عنده حكيمٌ فوق الحكماء زِيدَ له سلطانُ التخييل ليُبلِّغ. فيمَ جعلتَ أنت المتخيّلة هي المرتبة كلَّها، فبقي النبيّ عندك رجلًا ذا خيالٍ حادٍّ يُصلح الجمهور بأمثاله. واختلافُ عباراتهم الذي احتججتَ به يوافق أصل الشيخ الرئيس أيضًا، إذ المحاكاة تجري على مادّة المتخيّلة وعادتها، فيختلف المحاكيَ ويتّحد المحاكى عنه.
فقال سبينوزا: لكنّه يجعل الصور النازلة موافقةً لحقائق معقولة ثابتة في نظام العقول، فيصحح الظاهرَ بالتأويل ويبقي له مصداقًا. وأنا أقول إنّ الوحي وافق آراءَ الأنبياء المتقدّمة، حتّى إذا اعتقد النبيُّ أنّ السماء طباقٌ جاءه المُتخيَّل على ذلك الاعتقاد؛ فطلبُ الفلسفة من الكتاب طلبٌ لما وُضع الكتاب لغير جهته. إذ الكتاب موضوعٌ لتعليم الطاعة، أي أن يُحبّ الإنسانُ اللهَ فوق كلّ شيء، وأن يُحبّ جارَه كنفسه. ومن هذا الأصل قلت بفصل الفلسفة عن اللاهوت، وأن يُترك لكلٍ حماه، للأولى الحقّ، وللثاني التقوى والانقياد.
قال الشيخ: فاعلم أنّ الشريعة والحكمة في أصولي تردان على مورد واحد وإن اختلفتا في الخطاب. فالمعنى المُلقى إلى الخاصّة برهانٌ، والمُلقى إلى العامّة رمزٌ يُوصلهم إلى ما يُطيقونه من الحقّ. ولهذا فحامل الرمز على ظاهره سالم في عمله، والنافذُ إلى المرموز إليه فاز بالمرتبتين.
فكتبت في طرسي: رفع الشيخ النبوّة إلى ذروة الكمال العقليّ وجعلها ثمرة العناية، وأنزلها صاحبه منزلة الخيال الشديد الصادق النافع في السياسة. ويبقى إذن المعجزة!
في المعجزة
قلت: أمّا هذه المسألة فمناطُ الافتراق بين الإلهيِّ والطبائعيِّ في زماننا، فأَبِينَا لي عن مذهبكما فيها؛ فإنّ خاطري منذ أخذنا في القول لم يزل مُعلّقًا بها. هل يقع في العالم ما يخرق العادة الجارية؟ وإن وقع، فبأيّ سببٍ يقع؟ وهل تصلحُ المعجزة حجّةً على صدق المدّعي؟ وما تصنعان بما ورد في الكتب من انفلاق البحر ووقوف الشمس وإبراء الأكمه؟
قال الشيخ: أمّا عندي فالخوارق ثلاثةُ أضربٍ ترجع إلى خواصّ النفس النبويّة. الأوّل ما يرجع إلى قوّتها العاقلة، وهو الاطّلاع على الغيوب بالاتّصال الذي قدّمتُه. والثاني ما يرجع إلى قوّتها المتخيّلة، وهو ما يُسمع ويُرى من الكلام والصورة. والثالث ما يرجع إلى قوّتها العمليّة المحرِّكة، وهو الذي تسمّيه العامّة معجزة على التحقيق، أي أن تبلغ النفس من الصفاء والقوّة مبلغًا تنقاد له مادّةُ العالم انقيادَ بدنِ الواحد منّا لنفسه.
وبيان هذا أنّك تجد النفس تفعل في بدنها من غير مماسّةٍ ولا آلة، فقد يتصور الإنسانُ الحامضَ فيسيل لعابُه، ويتخيّل السقوطَ وهو على الجذع الممدود على الأرض فيقع، ويشتدّ به الوهمُ في المرض فيبرأ أو يهلك. فقد ثبت أنّ الصورة النفسانيّة مبدأٌ لتغيُّرٍ في المادّة من غير أن يتوسّط قسرٌ جسمانيّ. ثمّ إنّ النفوس متفاوتة، فمنها ما يتعدّى فعلُها بدنَها إلى غيره، كالعائن يُصيب بعينه، والمُتصوِّر القويّ يُؤثّر فيمن حوله. فإذا سُلِّم هذا في الآحاد الضعيفة، لم يمتنع أن توجد نفسٌ قدسيّة يكون فعلُها في هيولى العالم كفعل نفوسنا في أبداننا، فتُمطر وتُصحي وتُحدث في العناصر ما تُحدث؛ لأنّ المادّة مطيعةٌ للمبادئ المفارقة أصلًا، والنفس النبويّة متّصلةٌ بها.
فقلت: تبارك الله! أفيكون هذا نقضًا لنظام الأسباب؟ فإنّ القوم إنّما أنكروا النبوات لِما يلزم عنها من القول بالمعجزات الناقضة للعادة.
قال الشيخ: بل هو جارٍ فيه. فالأسبابُ عندي جنسان: طبيعيّة ونفسانيّة، وقد أهمل الجمهور الثاني فسمّى فعلَه خرقًا. والنظام الكلّيّ محفوظٌ على حاله، والواقع فيه من هذه الآثار داخلٌ فيما تُحيط به العناية إحاطةً سابقة، فيكون النادرُ في عرف العادة لازمًا في نفس الأمر. ولهذا صحّت المعجزة دليلًا على النبوّة، من جهة أنّها تُظهر للحسّ كمالًا في النفس يعجز عنه الجمهور فيصدّق صاحبَه.
فقال سبينوزا: أمّا قولي أنا فلا شيء يقع مخالفًا للطبيعة، بل الطبيعة تحفظ نظامًا سرمديًّا ثابتًا. والشاهد أنّ قوانين الطبيعة الكلّيّة هي بعينها مراسيمُ الله السرمديّة، وهي تلزم عن ضرورة طبيعته وكماله؛ فمن ادّعى أنّ الله يفعل ضدّ قوانين الطبيعة فقد ادّعى أنّه يفعل ضدّ طبيعة نفسه، وهذا خُلْفٌ ظاهر. ثمّ إنّ نسبة الحادث إلى إرادةٍ خارقة تُبطل الطريق الذي منه يُعرف الله، فإنّا إنّما نعرف ماهيّته السرمديّة من نظام الأشياء الثابت، فإذا فُرض في العالم حادثٌ مقطوعُ النسبة عن ذلك النظام، صار دليلًا على عجزنا عن معرفة العلّة، وصلح أن يُستدلّ به على قدرةِ من شئتَ. بل أرى أنّ المعجزة على التفسير المنتشر إنّما تُورث الشكّ في الله عوض أن تُثبته.
قلت: فهذا يُلزمك بأحد أمرين: إمّا أن تجعل الأنبياء كَذَبةً مُدّعين، وهذا ينقض قولك بصلاحهم؛ وإمّا أن تُنكر ما جاءت به الكتب. فما تصنع بما نُصَّ فيها؟
فقال سبينوزا: أقول إنّ الأنبياء وكتبةَ التواريخ حكوا الوقائع كما تخيّلوها وكما وقعت في نفوسهم، وقد جرت عادةُ العبرانيّين أن يَنسبوا كلَّ أمرٍ إلى الله من غير ذكر الأسباب الوسيطة، وأن يُبالغوا في العبارة مبالغةَ الشعراء. فإذا هبّت ريحٌ شديدةٌ من المشرق طولَ ليلة حتّى انحسر الماء عن المَعبَر، حكوها انفلاقًا؛ وإذا امتدّ النهار في إحساسهم يوم الوقعة، حكوه وقوفًا للشمس. والقوم كانوا يجهلون علل الأشياء، فكلّ ما جاوز مألوفهم سمَّوه فعلًا لله وحده. فالنصوص قد تكون صادقةً في مقصدها، أعني في حمل الناس على التقوى والطاعة، ولكن ينبغي تفسيرُ ألفاظها من تاريخ اللسان الذي نزلت به ومن سياق القوم، دون أن تُقحَم عليها فلسفةٌ من خارج.
قال الشيخ: إنّك قد نازعتَني في موضعين: في وقوع الخارق، وفي دلالته. أمّا الوقوع فإنّي أوافقك في أنّ النظام محفوظ، ولكنّي لا أرى رأيك في حصر أسبابه في المحسوس منها، فأنتَ جعلتَ قانون الطبيعة مساويًا لجملة الأسباب، وأنا أزيد عليه سببًا نفسانيًّا هو من الطبيعة أيضًا، غير أنّه لا يُدرَك بالقياس الجاري في الأجسام. وأمّا الدلالة فالمعجزة عندي علامةٌ للجمهور خاصّة، أمّا البرهان على المبدأ فمن الوجوب والإمكان الذي قرّرتُه أوّلًا، ومن هناك تُؤخَذ العقيدة، ثمّ تجيء الآية مُصدِّقةً للمُبلِّغ.
فقال سبينوزا: زيادتك هذه تعود إلى قوّةٍ مجهولة الحدّ، وكلُّ ما جُهل حدُّه امتنع أن يُبنى عليه برهان. فإن كان فعلُ النفس في المادّة يجري على قانونٍ ثابت، دخل في الطبيعة، وسقط كونه دليلًا على اختصاصٍ إلهيّ؛ وإن كان يجري بلا قانون، صار الوجود عرضةً لأن يقع فيه كلُّ شيء، فارتفع الأمان عن كلّ معرفة.
قال الشيخ: كلا، بل القانون قائمٌ، والاختصاص راجعٌ إلى ندرة الاستعداد. ويبقى النادرُ نادرًا وإن كان له سبب، وحصول الدلالة إنّما يأتي من جهة ندرته عند من يعجز عن تحصيل مثله.
فقد افترق الرجلان، كما ترى، في المعجزة فردّها أحدهما إلى قوّةٍ في النفس تُطاوعها المادّة، وردّها خصمهُ إلى جهلٍ بالعلّة وعادةٍ في التعبير. وبقي عندي أعوصُ ما في الباب: الشرّ. فإنّ خصمي كان يحتجّ به عليّ في غير موضع.
في الشرّ
فقلت لهما: أما وقد فرغنا من هذا، فقد بلغنا العَويص. فإنّ خصمي كان يقول: عالمٌ فيه الطاعون والزلزلة وموتُ الأطفال وظلمُ القويّ للضعيف، إمّا أن يكون مبدؤه عاجزًا فيسقط الوجوب، وإمّا أن يكون شرّيرًا فيسقط الخير، وإمّا أن يكون غافلًا فتسقط العناية. فأخبراني: ما حقيقة الشرّ عندكما؟ فالأصل عند الكلام في المسألة تحرير المسمى، وهل هو أمرٌ في نفس الأمر أم إضافةٌ إلينا؟ وكيف دخل في نظامٍ زعمتما كليكما أنّه صادرٌ عن كاملٍ بذاته؟
قال الشيخ، وكأنّه التفتَ إلى تهافتٍ في القول: خصمكِ هذا أليس يحتجّ بالآفات والزلازل احتجاجَ المعطِّلِ الجاحد؟ فإن كان يُثبت المبدأ، فمسألةُ الشرّ تُلزمه في عِلّته كما تُلزمكِ في معبودك؛ وإن كان يحتجّ بها لنفي المبدأ رأسًا، فهو كالتي نقضت غزلها من بعد قوةٍ أنكاثًا! وأمّا إذا استبان هذا فاعلمي أنّ الشرّ يُقال على وجهين: يُقال على العدم نفسه، كالعمى للعين والجهل للنفس والفقر للقوّة؛ ويُقال على الأمر الوجوديّ من جهة كونه سببًا لذلك العدم، كالبرد المُهلك والنار المحرقة والظالم في ظلمه. والشرّ بالمعنى الأوّل عدمٌ محض، والعدم يمتنع أن يصدر عن فاعل، إذ الفاعل يُفيد الوجود؛ فبطل أن يكون للشرّ فاعلٌ بالذات وبقي أنّه لازمٌ بالعرض. والشرّ بالمعنى الثاني خيرٌ في ذاته، فالنار كاملةٌ في ناريّتها، وإحراقُها إيّاها هو كمالُها، والشرّيّة عارضةٌ لها بالقياس إلى ثوب المسكين إذا لاقاها.
قلت: باركَ الله فيكَ يا شيخنا، فوالله لقد كنتُ في غمرةِ الجدال أغفلُ عن بعض تهافته الذي كشفتَه! غير أنّا إذا تركنا أمرَه وعدنا إلى مقالتك، وجدناك قد وفّيتَ بتحرير الاسم؛ فبقي أن تُبين لنا: كيف دخل هذا الشرّ في النظام؟
قال الشيخ: الجواب أنّ الموجودات في القسمة العقليّة خمسةٌ: ما هو خيرٌ محض لا شرّ فيه بوجه، وما هو شرٌّ محض، وما شرُّه غالبٌ، وما استوى فيه الأمران، وما خيرُه غالبٌ وشرُّه أقلّيّ. فأمّا الشرّ المحض والغالب والمساوي فممتنعةٌ في الوجود؛ لأنّ الشرّ عدمٌ، والعدمُ المحض يستحيل أن يكون شيئًا موجودًا، والغالب والمساوي يُبطلان حاملهما فيمتنع بقاؤه. فبقي قسمان: خيرٌ محض، وهو المفارقات وما فوق عالم الكون؛ وخيرٌ كثيرٌ يلحقه شرٌّ قليل، وهو عالمُ الكون والفساد. ثمّ إنّ ترك الخير الكثير لأجل الشرّ القليل شرٌّ كثير، فوجب في العناية إفاضةُ ما خيرُه غالب، ولزم عن ذلك ما يلزم بالعرض.
ثم قال: وأصلُ هذا اللزوم من المادّة وتضادّ العناصر. فإنّ الكائن الفاسد إنّما يكون كائنًا فاسدًا لأنّه مركّبٌ من قوًى متضادّة، والتضادّ هو الذي يُهيّئ المادّة لقبول صورةٍ بعد صورة. فلو رُفع التضادّ لارتفع الكونُ أصلًا، ولو رُفع الكونُ لبطلت مراتبُ الوجود التي تحت الفلك جملةً. فالنار التي تُنضج القوت هي بعينها التي تُحرق يدَ الغافل، والمزاجُ الذي به الحياة هو الذي يعتلّ فيَعرض المرض. وأمّا شرور الاختيار، فراجعةٌ إلى النفوس في تقصيرها عن كمالها العقليّ واستيلاء قواها الشهويّة والغضبيّة عليها؛ والاستعداد لهذا لازمٌ لكون النفس حادثةً في بدنٍ تُدبِّره، ولذا أزاحت العنايةُ العلّة ببعث الأنبياء ووضع الشرائع وتقرير الجزاء.
فالتفتُّ إلى سبينوزا وقلت: وأنت أيّها الفاضل، كيف الخلاصُ من هذا الباب على أصلك؟ فإنّك إذ تنفي الغرضَ والعناية عن الطبيعة الطابعة، وتجعل الأشياء تلزم عنها بالضرورة، فهل يبقى في الوجود مكانٌ لاسم الشرّ أصلًا؟
فقال سبينوزا: إنّ الخير والشرّ من هذا الباب كلّها ألفاظٌ تدلّ على أحوالنا في التخيّل والمقارنة. فإنّ الناس يجمعون في أذهانهم صورةً كلّيّةً للإنسان يجعلونها مثالًا للطبيعة البشريّة، ثمّ يُسمّون خيرًا ما يقرّبهم من تلك الصورة وشرًّا ما يُبعدهم عنها. فالموسيقى خيرٌ للمحزون، شرٌّ للمفجوع، ولا خير ولا شر عند الأصمّ؛ فلعلّ الشيء الواحد يكون في وقتٍ نافعًا وفي وقتٍ ضارًّا. ثمّ أقول: الكمالُ والواقعيّة عندي شيءٌ واحد، فكلُّ ما في الطبيعة له من الكمال بقدر ما له من الوجود؛ وسمةُ النقص إنّما تلحق الأشياء حين نقيسها بجنسٍ اخترعناه وحكمنا عليها بمقتضاه، كمن يرى الأعمى ناقصًا لأنّه قاسه بالإنسان المبصر، ويترك الحجرَ لأنّه قاسه بجنس الحجارة.
قلت: فأنت تُسقط السؤال جملةً؟
فقال سبينوزا: أُسقط صيغتَه. لأنّه إنّما ينهض على ذاك الذي جعل الله سلطانًا يشرّع بإرادةٍ ويختار غايةً، ثمّ رأى في الملك ما يُنكره؛ فإذا ثبت أنّ الأشياء تلزم عن ضرورة الطبيعة الإلهيّة لزومَ الخصائص عن الماهيّة، ارتفع الخصام. والذي يقول: كان الأولى أن يُخلق العالم على غير هذا النحو، إنّما يقول في الحقيقة: كان الأولى أن تكون طبيعة الله غير طبيعته، وهذا عجيب. وأمّا الأمراض والزلازل، فأحوالُ الطبيعة الجزئيّة تتلاقى فتُفسد بعضها بعضًا؛ والفسادُ نفسُه ينشأ من علّةٍ خارجة عن ماهيّة الشيء، إذ ماهيّةُ كلّ شيءٍ في ذاتها إصرارٌ على البقاء في وجوده.
قال الشيخ: أحسنتَ إذ قلتَ إنّ الفساد يجيء من الخارج، وهذا معنى قولي إنّ الشرّ عارضٌ بالعرض؛ وقلتَ إنّ الشيء كاملٌ بقدر وجوده، وهذا معنى قولي إنّ الخير هو الوجود. غير أنّك رفعتَ المفاضلةَ بين المراتب فسوّيتَ بين العقل والحجر في استحقاق اسم الكمال، والأصحُّ أن نثبت للوجود مراتب متفاوتة في الشدّة، فيستقيم أن يُقال: هذا أنقصُ من ذاك في نفس الأمر، ويستقيم أن يُقال إنّ فقد البصر نقصٌ في العين وإن كان في الحجر سلبًا محضًا.
فقال سبينوزا: أنا أُثبت التفاوت في القوّة على الفعل، ولكنّي أنفي أن يكون النقص وصفًا للشيء في ذاته. ومع هذا فإنّي أُبقي للفظين معنًى محصّلًا في المعاملة، فأُسمّي خيرًا ما نعلم يقينًا أنّه نافعٌ لنا، وشرًّا ما نعلم يقينًا أنّه يمنعنا من إدراك الخير؛ فالنافع ما يزيد في قدرتنا على الفعل، وأعلاه معرفةُ الله. والحكيم يفهم ضرورةَ الأشياء ففهمُه إيّاها يُخفّف عنه سلطانَ الانفعالات، ومن هنا يجيء الفرَج.
قال الشيخ: كذلك عندي أنّ الفرَج يجيء من هذا الفهم أيضًا، ويزاد عليه أنّ للنفس بقاءً بعد البدن تستوفي فيه ما فاتها، وأنّ الحكمةَ البالغةَ التي رتّبت الأقلَّ من الشرّ في ضمن الأكثر من الخير ترتيبًا عقليًّا هي التي تُدرَك بالبرهان فيسكن إليها العقل.
فقلت: هاهنا انفصل الخصام، وبان الكلام. فأبقى أحدهما للشرّ اسمًا ومعنًى ورتّبه في نظام العناية، وردّه الآخر إلى نسبةٍ بيننا وبين الأشياء.
مسألة…
ثمّ هاضت بي لواعجُ النفس، وأخذتني الحمية لقومي، فوجدتني أقول: والله يا شيخنا أبا علي لقد بيّنتَ فأوضحت، فجزاكَ الله عنّي وعن طلبةِ العِلم من أهل المِلّةِ خيرًا. غير أنّ عجبي باقٍ: كيف خلط أهلُ زماننا بينك وبين صاحبك حتّى صرتُما عند بعضهم قرينين، يُذكر اسمُك فيُذكر معه اسمُه، ويُقال: مذهبٌ واحد اختلفت عليه القرون؟
قال الشيخ: العلل كثيرة، وأنا أعُدّ لك منها ما يحضرني.
أوّلها أنّكم غفلتم عن دراسة علومنا. فقد كتبنا في المنطق وفي الطبيعيّات وفي الإلهيّات، وجرت بيننا وبين أهل الكلام مجالسُ ومناظرات ومصنّفاتٌ في النقض والانتصار، والخلاف بيننا فوق هذا محرَّرُ المواضع معلوم الحدود، فبيّنٌ أين نتّفق في وجوب المؤثِّر، وأين نفترق في القِدَم والحدوث، وأين نفترق في علم الجزئيّات، وأين نفترق في المعاد. فلمّا هجرتم هذه الصناعة، جاء قومٌ من أهل تلك الديار فأخذوها وتدارسوها وترجموها بألسنتهم، فوقعوا في آفة الناقل إذا غفل عن نقد الأصل؛ وهو عينُ الخَطَل الذي وقعنا فيه نحن في زماننا، فإنّا لمّا أُتينا بكتاب «أثولوجيا» منقولاً إلى لساننا بتعريب ابن ناعمة الحمصيِّ وأضرابه، وقد نَحلوه زورًا لأرسطاطاليس، وهو في حقيقته كلام أفلوطين، فلما أُتينا به صدّقنا النسبة، ثمّ تكلّفنا الجمع بين مذهبين متنافرين لنوافق بين ما يمتنع توافقُه! وقريبٌ من هذا فعلُ هؤلاء لما عمدوا إلى ما كتبناه، فجعلوا الكلمات تتوافق، ووافقوا بين ما يمتنع توافقه. فرأوا لفظ «الجوهر» عندنا ولفظَ الجوهر عندهم فحسبوهما واحدًا، مع أنّ الجوهر في اصطلاحنا هو الموجود لا في موضوع، والجوهر عند صاحبنا هذا ما يُتصوَّر بذاته حتّى امتنع عنده تعدُّده؛ فبين الحدَّين بونٌ يُبطل القياس. ورأوا «واجب الوجود بذاته» فترجموه بما يقارب «علّة نفسه»، وفرقُ ما بينهما أنّ الأوّل عندي مسلوبُ العلّيّة رأسًا، إذ العلّة تقتضي مغايرةً بين المؤثِّر والأثر، فوصفُ الذات بأنّها علّةٌ لنفسها يُدخل في الذات معنى الافتقار من حيث يُراد نفيُه. ورأوا قولي بلزوم المعلول عن الذات، وقوله بلزوم الأحوال عن الجوهر، فقالوا: لزومٌ ولزوم، فالمذهبان واحد، وذهل القوم عن أنّ اللزوم يُبقي الاثنينيّة عندي ويرفعها عنده.
ثمّ عدتم — عفا الله عنكم — فأخذتم مقالاتهم على وجهها، وصار الواحد منكم يقرأ في كتابٍ منقولٍ فيحكم به علينا. فلو قالوا: كان أولئك يدينون بإلهٍ مسلوب الصفات، قلتم: نعم. ولو قالوا: قولُ ابن سينا هو قولُ صاحبنا، قلتم: نعم، فالمسمّى مشترك.
قلت: سامحنا الله يا مولانا؛ وسبحانه، فكأنَّ آفةَ القومِ واحدة! ثمّّ أنتم وإن ابُتليتم بعجمةِ النَّقَلَة في القديم، فنحن بُلينا بجهلِ المتفلسفة رأسًا في الحديث، فيا ليت قومي يعلمون! ألا فزدني أيها الشيخ، هل من علّةٍ أخرى غير النقل؟
قال الشيخ: نعم حبًا وكرامة، ثمّة علّةُ التصنيف بالأثر دون المأخذ، فإنّ القوم صنّفوا المذاهب على حسب ما يترتّب عليها في الظاهر، فمَن نفى القصدَ الحادث فهو في زمرة، ومن قال بالضرورة فهو في زمرة، ومن أنكر خرقَ العادة فهو في زمرة. وهذه قسمةٌ ضيزى تجمع بين المتباعدَين وتفرّق بين المتقاربَين؛ إذ قد يتفق الرجلان في نفي الغرض ويفترقان في حقيقة المبدأ، والاتّفاق في السلب ليس يعني اتّفاقًا في الإثبات. ومن هذا الباب أنّهم رأوا الغزاليّ كفّرني في ثلاث، فقالوا: هذا رجلٌ خرج عن ملّته قطعًا، فليكن مذهبُه مذهبَ من خرج بعده بقرون. مع أنّ المسائل الثلاث معلومةٌ مذكورةٌ، تدور على قِدَم العالم وعلم الجزئيّات وحشر الأجساد، بل المنازعة فيها منازعةٌ في فروعٍ من الإلهيّات يجمعني والمُنازِعَ فيها أصلٌ واحد: أنّ ثمّ واجبًا مفارقًا، وأنّ العالم بأسره معلولٌ له مفتقرٌ إليه.
قلت: فإنّي أُنصفك وأُناظرك لو أذنتَ لي. فأنا على مذهب أهل السنّة والجماعة المثبتة، فأقول: للباري إرادة مخصِّصة قديمة يترجّح بها أحدُ المتساويين، وأقول بحدوث العالم، وأُخالفك في الإيجاب الذاتيّ. فمن أين آمَنُ أن يكون قولك بلزوم العالم عن الذات لزومًا يمتنع خلافُه مؤدّيًا في العاقبة إلى ما قاله صاحبك، إذ العالم على قولك ملازمٌ للذات ملازمةً سرمديّة، وما لازم الشيءَ سرمديًّا أشبهَ أن يكون منه؟
قال الشيخ: لما بين الملازمة في الوجود والاتّحاد في الحقيقة من اختلاف، مع كون الفارق بينهما جهةُ الوجوب. فالعالم عندي واجبٌ بغيره ممكنٌ بذاته، ومعنى إمكانه بذاته أنّه لو قُطع النظر عن مُوجِبه لاستوى طرفاه؛ وهذا الاستواء وصفٌ ثابتٌ له في نفسه، سواءٌ قلنا بأزليّته أم بحدوثه. والذي يمتنع فيه الاستواءُ أصلًا هو الأوّل وحده. فلو كان العالم وجهًا من وجوه الأوّل لبطل فيه الإمكان، ولاستحال أن يُعقل عدمُه، ولصار المتغيّر الفاسد الكائن داخلًا في حقيقة ما هو بريءٌ من التغيُّر. فأنا إنّما أُثبت للمعلول سرمديّة التبعيّة، وهي عين الفقر مستمرًّا، وصاحبُك يُثبت للأحوال ضرورةً هي عين الغنى ساريًا.
قلت: فإنّي أُلزمك بما ألزمك به أصحابنا من أنّ الإيجاب الذاتيّ يرفع الاختيار، ورافعُ الاختيار قد شارك القائلَ بالطبيعة الطابعة في المعنى ولو لم يحصل الاشتراك في الاسم.
قال الشيخ: الاختيار الذي تُثبتينه إن أردتِ به تعلُّقَ الفعل بالعلم والرضا، فأنا أُثبته وأُسمّيه إرادةً؛ وإن أردتِ به تجدُّدَ داعٍ في الذات بعد أن لم يكن، فهذا الذي أُحيله، لأنّه يُدخل التغيُّر على من يمتنع عليه التغيُّر. والطبيعة الطابعة التي ذكرتِها تفعل عن غير علمٍ بما تفعل، والأوّل عندي يفيض عن علمٍ هو ذاتُه، فسمّي فعلُه إيجابًا من جهة امتناع التخلُّف، وسمّي اختيارًا من جهة كونه عن رضًا وعلم. وأنتِ تُخالفينني في هذا عن طريق المناظرة في التخصيص والمرجِّح، فخاصميني فيه كما خاصمني أهلُ الكلام، وأقيمي عليّ الحجّة أو خذيها منّي؛ ولا تبخسيني فتكوني مع من ألحقني بجاعل زلزلة الأرض وحُمّى الطفل تعيُّنَين في ذات الإله، لما في ذلك من جناية على القسمة العقليّة قبل أن تكون جنايةً عليّ.
قلت: فما وصيّتك في المنهج، حتّى يسلم الناظر من هذا الخلط؟
قال الشيخ: أن يُقدَّم النظرُ في الحدود على النظر في المذاهب. فمن ضبط حدّ الجوهر وحدّ العرَض وحدّ العلّة وحدّ اللزوم وحدّ الصفة، ثمّ عرض الأقوال على تلك الحدود، خرج له الفرقُ من غير كلفة. وقارني هذا بصنيع آخذ الأقوال جملةً بأسمائها، أليس هذا كمن يجمع الأدوية بألوانها فيسقي المحرور شرابَ المبرود؟ ثمّ إنّ خصمَك الذي فخر عليك بأنّه يعبد بسيطًا سليبَ الصفات، سلْيه: من أين علم أنّ ثمّ بسيطًا؟ فإن أجاب ببرهانٍ من الإمكان، فقد لزمه معلولٌ يفتقر ومؤثِّرٌ يُغني، ولزمه أن يقول بالعناية على وجهٍ ما، إذ العلم بالنظام داخلٌ في مُوجِبه؛ وإن أجاب بأنّه إنّما أخذه تقليدًا عمّن سمّاه «واجب الوجود» في كتابٍ منقول، فقد عاد إلى ما عابه عليك من التقليد، وزاد عليه أنّه قلّد في اللفظ وجهل المعنى.
قلت: شكرَ الله لكَ حسن تأتيك وأحسن إليك، ما أجلَّ كلامك، وما أوضح برهانك! فهلّا زدتني: أترى أن أدعَ مخاصمته؟
قال الشيخ: بل خاصميه ولكن مع تحرير الحدود، والتسليم بالمقدمات، والإلزام بالنتائج. وما أقبح صنيع الرجل يستكثر من الألفاظ الفخمة كما يستكثر التاجر يزيّن دكّانه بآنيةٍ من خَزَفٍ مُمَوَّه، فإذا طُولب بمكيالٍ يُوزن به المتاع، ظهر أنّ بضاعته زيفٌ استعاره من زيد، وآخر استعاره من عمرو. والعاقلُ إذا باحث فبانَ له الحقُّ مع خصمه، أذعنَ له وإن كان في حلقه كالعلقم، وإلا فأيُّ غايةٍ للبحث والنظر؟ ثمَّ اعلمي أنّ قد تيّسر لكِ ولمن في زمانكِ ما لم يتأتَّ لنا؛ فقد انقضت القرونُ، وتراكمت المذاهبُ، وصُنّفت المصنفات، وتُرجِمت العلومُ، وظهر ما كان خفيًّا، وصُحّح ما كان سقيمًا. فصار الواحد منكم ينظرُ في كلامنا وكلام ذاكَ الجالس هناك وغيره في مجلسٍ واحد، ويُقارع الحجج بالحجج مع شرابٍ بارد، فأينَ هذا من حالنا ونحنُّ نُحصِّلُ الكتابَ الواحدَ بشقّ الأنفس. والأزمانُ وإن تباعدت، فالحقُّ واحدٌ لا يتعدّد، والطريق إليه على كل حال البرهانُ...
وما زال الشيخُ يزيدني من بيانه حتى انجابَ عنّي الكرى، وتبدّدت تلك الأرضُ المبسوطة من أمام عيني، وانتبهتُ فإذا أنا في مجلسي لم أبرحه، وإذا الفجرُ قد شقّ دياجي الليل. فعلمتُ أنّها إشارةٌ سيقت إليّ، وتذكرةٌ لمثلي ممّن بُليَ بمراءِ أهل زماننا؛ فقمتُ إلى طِرْسي هذا من ساعتي، فدوّنتُ ما جرى بين الحكيمين على وجهه؛ فتمّت الرسالةُ، وبانَ الحقُّ، وانقطع العذر. واللهُ الهادي إلى سواء السبيل.

