«الحقيقة أنَّ الطبيب المسلم الشهير أبا بكر الرازي كان منكرًا للنبوّات، مستهزئًا بها، مقدِّسًا للعقل، رافضًا لتسلُّط رجال الدين.»
هذه عبارةٌ ربّما تلقّاها القارئ في أحد مواقع «التنوير» الناطقة بالعربيّة، ومتداولوها في الغالب أقوامٌ يحسبون أنّهم أوتوا نصيبًا من النظر، وأنّ مجرّد الاحتفاء بشخصيّةٍ تاريخيّةٍ نُسبت إليها مقالاتٌ في الشكّ أو الإلحاد يُكسبه موقفهم عُمقًا فكريًّا يُضاهي به أصحابَه جهابذة الحضارة الإسلاميّة المشهورين. وأعجبُ ما في هؤلاء القوم أنّهم إذا استنشقوا رائحة زعمٍ عن عالمٍ من علماء العصر الذهبيّ للإسلام يُنسب إليه تشكيكٌ أو زندقة، قفزوا إليه قفزَ الظمآن إلى الماء، يحتفون به غافلين — أو متغافلين — عن أنّ بإزاء هذا الطبيب المشكِّك الحاذق عشراتٍ من علماء المسلمين هم أحذقُ منه في صناعته ذاتها وأرسخُ منه قدمًا في العلم. وقد قيل إنّ الطبّ كان معدومًا فأوجده أبقراط، وميّتًا فأحياه جالينوس، ومتفرّقًا فجمعه الرازي، وناقصًا فأكمله ابن سينا. ولئن كان في هذا القول تقديرٌ للرازي فإنّ فيه أيضًا إقرارًا بأنّ ابن سينا جاوزه وأكمل ما قَصُر عنه. ولو رجعتَ إلى كثيرٍ من مؤرّخي الطبّ لوجدتَهم يعدّون أطبّاء لاحقين كابن النفيس مكتشف الدورة الدمويّة الصغرى، والزهراويّ أبي الجراحة الحديثة الذي أقدم على عمليّاتٍ أحجم عنها الرازي وابن سينا معًا، أرفعَ قدرًا منه في الإبداع الطبّيّ المحض.
والحق أنّ أصحابنا هؤلاء يتكلّفون في صنع أسطورتهم تكلُّفًا بيّنًا، فتراهم يتجاهلون — إما غفلةً أو تغافلًا، وأنت انظر أي المريّن أحلى! - ذكر حقيقة المصدر الذي استقوا منه هذه المقالات المنسوبة إلى الرازي. فقد اقتبس الفيلسوف الإسماعيليّ أبو حاتم الرازيّ بعضًا من آراء الرازي في الأديان والنبوّة والكتب السماويّة بشكلٍ مفصّل ووضعها في كتابه «أعلام النبوّة» على شكل حوار بينه وبين الرازي واصفًا إيّاه بـ«الملحد» دون أن يذكر اسمه. إذن فالمصدر الملموس والمتبقّي لهذه الدعاوى كتاباتُ خصمٍ إسماعيليّ يروي عن مناظِره — المعروف بمعاداة الإسماعيلية — ما يشاء ويصوغه كما يشاء، بل الصفحة الأولى من هذه المخطوطة مفقودة فلا يُعرف اسم الرجل الذي كان يردّ عليه أبو حاتم. فعلى أيّ أساسٍ من التحقيق العلميّ يُبنى هذا الصرح الذي يُراد منه تتويج الرازي فيلسوفًا عقلانيًّا حرًّا؟
على أنّ البيرونيّ قد صنّف بالفعل كتابين من كتب الرازي «كتبًا في الكفريّات» وهما كتاب «في النبوّات» و«حيل المتنبّين» — والذي حُورّ لاحقًا ليصير «مخاريق الأنبياء» — لكنّ الذي يتجاهله دعاة التنوير أنّ أشهر كتب الرازي مثل «إنّ للعبد خالقًا» و«طبقات الأبصار» و«الطبّ الروحانيّ» تؤكّد إيمانه. فهل يُعقل أن يؤلّف رجلٌ كتابًا عنوانه «إنّ للعبد خالقًا» وآخر عنوانه «مخاريق الأنبياء»؟ إن كان كذلك فبطلُ ميدانهم — أعني الرازي — كان متلوّنًا منافقًا على أحسن تأويلاتهم، ومن طريف ما يُذكر في هذا الباب أنّ ناسًا من أهل النظر لمّا رأوا الرازيّ يُداخل الناس ويتصرّف في وجوه المعاش عابوه واستنقصوه، وزعموا أنّه حائدٌ عن سيرة “إمامه” سقراط — كما يسميه هو في كتبه — فعمد إلى كتابة رسالتَه «السيرة الفلسفيّة» يدافع فيها عن تردّده على بيوت الأمراء وأكله الطيّبات ومخالطته أبناء الدنيا، وزعم أنّ سقراط إنّما كان زاهدًا في ابتداء أمره ثمّ انتقل عن كثير من ذلك حتّى إنّه مات عن بنات وحارب العدوّ وحضر مجالس اللهو وأكل الطيّبات. فهذا «مقدّس العقل» الذي يحتفي به التنويريّون يعتذر لأقرانه الفلاسفة عن حبّه للدنيا بتأويلاتٍ باردة في سيرة سقراط!
ونذكر كذلك قول ابن سينا — وهو بشهادة الأمّة شيخ الفلسفة المشّائيّة في الإسلام ورئيسها — الذي سخر من خوض الرازي في الإلهيّات سخريةً لاذعة، وتمنّى لو أنّه اقتصر على ما يُحسنه من فحص القوارير ومعالجة الأبدان، وترك ما قصُرت عنه آلته من مباحث الفلسفة الأولى. وأنا أدخل الآن في صلب ما يتكتّم عنه كتّاب التنوير في مقالاتهم حين يصوّرون الرازيّ عقلانيًّا حرًّا متحرّرًا من قيود الغيب والنقل. فهذا الرجل الذي «قدّس العقل» على حدّ زعمهم، ذهب في الفلسفة الإلهيّة مذهبًا شذّ فيه عن المشّائين وعن أهل الكلام وعن أهل الملل جميعًا، إذ علّم بأنّ الكون خُلق بتداخل خمس «مبادئ أزليّة» وهي تحديدًا: الله، والنفس، والهيولى، والزمان. أي أنّه أثبت مع الباري تعالى أربعة قدماء أزليّين مستقلّين عنه: النفسَ الكلّيّة، والهيولى الأولى — أي المادّة المحضة الخالية من الصور —، والزمانَ المطلق الذي سمّاه «الدهر»، والمكانَ المطلق الذي سمّاه «الخلاء». وهو مذهبٌ قريب من معتقدات الحرّانيّين الصابئة، بل ذكر بعض الباحثين أنّ للرازي صلة بفكر المانويّة لأنّه ذكر مؤلّفات ماني، وأخذ فيما يبدو منه فكرة قدم المادّة والمكان والزمان.
فما قصّة هذا المذهب؟ وكيف ينشأ عنده العالم؟
زعم الرازيّ أنّ هذه المبادئ الخمسة كانت قائمة في الأزل، كلٌّ منها مستقلّ عن الآخر: فالباري موجود بذاته، والنفس الكلّيّة موجودة بذاتها، والهيولى كتلة بلا صورة سابحة في الخلاء، والزمان ممتدّ بلا ابتداء، والمكان فضاء محض بلا حدّ. ثمّ إنّ النفس الكلّيّة — وقد كانت في الأزل جاهلة غافلة — تعلّقت بالهيولى تعلُّقَ العاشق بمعشوقه، فعشقتها واشتاقت إلى الاتّحاد بها والتلبّس بأشكالها، فلمّا رأى الباري — تنزّه عن هذا القول — أنّ النفس قد اضطربت بعشقها للمادّة وتاقت إلى التشكّل فيها، ألقى عليها العقل رحمةً بها، وركّب العالَم من الهيولى على صور شتّى، فصارت النفوس الجزئيّة مبثوثة في الأبدان والأجسام، وصار العالم المحسوس هو ثمرة ذلك «العشق الأزليّ» بين النفس والمادّة. والغاية من خلق العالم — في هذا التصوّر — تنبيهُ النفس من غفلتها بواسطة العقل الذي أُلقي عليها، حتّى إذا استيقظت وأدركت حقيقتها انفكّت من أسر المادّة وعادت إلى صفائها الأصليّ، فينحلّ العالم عندئذ وتعود المبادئ الخمسة إلى حالها الأوّل. وقد اعتقد الرازيّ أنّه لا بدّ من وجود شيء هيولانيّ قبل وجود الكون أُنشئ منه، وزعم أنّ خلق الكون من العدم مستحيل، واحتجّ بأنّنا دائمًا نرى الأشياء تُوجد عبر صيرورة طويلة من النموّ على الرغم من أنّ التجلّي الفوريّ أسهل بكثير ويتطلّب معاناة أقلّ — ونحن أبناءُ هذا الزمن نعلم أن القول بأزلية الكون مرفوضٌ علميًا بعد اكتشاف الإنفجار الكبير — فكأنّه استدلّ بمشاهدة الحوادث الجزئيّة — كالولادة والنموّ — على استحالة الخلق من العدم المحض، وهذا قياس فاسد يُلزم بموجبه الباريَ تعالى بقوانين المادّة المشاهَدة، ويحكم على قدرة الخالق المطلقة بمقاييس المخلوق المحدود. وكان أفلاطون هو الأقرب من وجهة نظره إلى وضع هذه الهيكلة، حيث أخبر أبا حاتم أنّ قول أفلاطون أصوب الأقوال عنده، ولعل النصّ الذي كان في باله هو محاورة «طيماوس» التي تفترض هيولى موجودًا سلفًا تشكّل على هيئة الكون.
ونحن من باب الإنصاف نزن هذا المذهب بالميزان العقليّ ذاته الذي يدّعي أصحابنا التنويريّون أنّهم يزنون به الأمور:
أوّلًا: القول بخمسة قدماء يُفضي حتمًا إلى تعدّد الواجبات. فكلّ واحد من هذه الخمسة — إن كان أزليًّا — فهو غنيّ عن غيره في أصل وجوده، وما كان غنيًّا عن غيره في الوجود فهو واجب الوجود بذاته. وتعدّد واجبات الوجود يُفضي إلى التكافؤ بينها في رتبة الوجوب، فأيّ مرجّح يجعل لأحدها — وهو الباري — حقّ التدبير والتصرّف في سائرها؟ فإن قال الرازيّ: لأنّ الباري أكمل من النفس والهيولى، قيل له: والكمال صفة لا تثبت إلّا لمن كان وجوده أتمّ من وجود غيره، وإذا كان وجود الهيولى واجبًا بذاته كوجود الباري، فعلى أيّ وجهٍ يُقال إنّ أحد الواجبَين أكمل من الآخر وكلاهما يستوي في وجوب الوجود الذي هو أقصى مراتب الكمال الأنطولوجيّ؟ هذا محالٌ بالبرهان الذي يعرفه كلّ من اشتمّ رائحة الفلسفة الأولى.
ثانيًا: زعمه أنّ النفس الكلّيّة «عشقت» الهيولى يقتضي أنّ النفس انفعلت انفعالًا في الأزل. والانفعال تغيّر، والتغيّر يقتضي حالتين: حالةً سابقة خلت فيها النفس من العشق، وحالةً لاحقة حصل فيها العشق. وهذا التعاقب بين الحالتين هو عين الحدوث، إذ الأزليّ الحقّ ثابت الحال يستحيل أن يطرأ عليه ما لم يكن فيه. فإن قال: عشقُها أزليّ كوجودها، قيل: فهل تعلّقت بالهيولى من الأزل أم تعلّقت في لحظة؟ فإن كان من الأزل فالعالم أزليّ واجب الوجود أيضًا، ويبطل معنى «الخلق» الذي يريده، وتصير كلّ الحوادث أزليّة وهذا يناقض الحسّ والبرهان. وإن كان في لحظة فقد حدث الانفعال، وحدوثه يقتضي محدِثًا أحدثه في النفس، وهذا يقضي بأنّ النفس مفعول فيها محدَث لها، فتسقط أزليّتها.
ثالثًا: القول بأن الزمان المطلق والمكان المطلق قديمَان مستقلَّان يفترض وجودًا فعليًّا لهما بمعزل عن أيّ جسم أو حادثة. وقد فرّق الرازيّ بين الزمان وبين المدّة بوقوع العدد على أحدهما دون الآخر بسبب ما يلحق العدديّة من التناهي، وسمّى الزمان المطلق «دهرًا» ليميّزه عن الزمان المحدود. غير أنّ هذا التفريق تحكُّم محض: فالزمان — عند التحقيق — مقدار الحركة كما قرّر أرسطو، أو هو نسبة بين الحوادث كما ذهب المتكلّمون، وفي كلا الحالتين يستحيل وجود زمان فعليّ بلا حوادث ولا حركة. والقول بفضاء مطلق خالٍ من أيّ جسم هو فراغ مجرّد في الذهن لا حقيقة له في الخارج، وإثبات وجود خارجيّ لمعنى ذهنيّ محض هو عين المغالطة؛ إذ هو خلط بين الوجود الذهني والخارجي، وانتقالٌ من الذهن إلى الخارج بلا وسط.
رابعًا: وهذا أعجب ما في مذهبه — زعمه أنّ الباري تعالى إنّما خلق العالم استجابةً لعشق النفس واضطرابها. وهذا يجعل فعل الخلق معلَّلًا بحاجة النفس ومشروطًا بانفعالها، فيصير الباري — تعالى — في منزلة المستجيب لغيره، المنفعل بحالِ سواه. وهذا يقضي بنقص في الباري من وجهين: من جهة أنّه لم يخلق إلّا بسبب خارجيّ عن ذاته (وهو اضطراب النفس)، ومن جهة أنّ فعله جاء تابعًا لحادثة في غيره (وهو العشق). ومن كان فعله تابعًا لغيره فهو قاصر عن الفعل المطلق، وهذا يناقض كمال الإلهيّة التي يُقرّ بها الرازي نفسه.
بل حتى وعلى المستوى الكونيّاتيّ، إذ ينسب للرازي الإيمان بالتناسخ أي تناسخ النفوس، وأنّ المادّة مركّبة من ذرّات. فالنفوس الجزئيّة تتنقّل بين الأبدان حتّى تبلغ الاستيقاظ الكامل فتنفكّ من الجسم. وهذا أقرب إلى عقائد الهندوس والبوذيّين منه إلى أيّ نظام فلسفيّ يوصف بالعقلانيّة. فأيّ «تقديس للعقل» يجتمع مع القول بتناسخ الأرواح — وهو مذهب قام البرهان عند المتكلّمين والفلاسفة جميعًا على بطلانه من عدّة أوجه، أيسرها أنّ تناسخ نفس واحدة في بدنين يلزم منه حلول عرضين في محلّ واحد أو حلول جوهرين في محلّ واحد، وكلاهما محال؟
إذن انظر مقالة الرجل بالمجمل: خمسة قدماء بلا برهان، ونفسٌ كلّيّة عاشقة للمادّة كعشق الصبّ المتيَّم، وبارٍ يخلق العالم تلبيةً لعشق غيره، وزمانٌ ومكانٌ مطلقان لا يعرف الفلاسفة لهما وجودًا مستقلًّا، وتناسخٌ للأرواح بين الأبدان. ثمّ قارنها بما يصنعه كتّاب التنوير حين يقولون لك: «كان الرازيّ مقدِّسًا للعقل، رافضًا للخرافة!». ذلك أنّ المنصف ليعلم أن قوله — والله — أقرب إلى أسطورة غنوصيّة أو ملحمة شعريّة وثنيّة منه إلى بناء فلسفيّ محكم يصلح أن يُقابَل به دينٌ كامل جاء بالتوحيد المحض وتنزيه الباري عن المشاركة والافتقار. ولو أنصف التنويريّون أنفسهم — وهيهات — لأخفوا هذا المذهب خجلًا بدل أن يُخفوه خديعةً، فإنّ ذكره كافٍ وحده لهدم الصورة التي اصطنعوها لبطلهم، ولكن أين العقول وأين النهى؟
حتى إنه قد فطن لفساد كثيرٍ من مقالاته الفلسفية كبارُ العقول في الحضارة الإسلاميّة وبعضهم من معاصريه، فنقض ابن الهيثم على الرازي رأيه في الإلهيّات والنبوّات، وألّف ابن حزم كتاب «التحقيق في نقض كتاب العلم الإلهيّ» لمحمّد بن زكريّا الطبيب، وردّ عليه ابن رضوان الطبيب المصريّ، وناصر خسرو في «زاد المسافر» و«بستان العقل»، بل ونقده الفيلسوف اليهودي ابن ميمون في أحد فصول «دلالة الحائرين». فهؤلاء فلاسفةٌ ومتكلّمون وأطبّاء من مشاربَ شتّى ومذاهب مختلفة، اتّفقوا جميعًا على أنّ كثيرًا من أقوال الرجل الفلسفية ساقطةٌ عقلًا، وهذا إجماعٌ من أهل النظر يصعب تجاوزه، ومع هذا يُنسب الاختلاف مع هذا الرجل تحديدًا إلى الجمود الفكري والتحجّر الفقهي!
والأعجب أنّ «المفكر الحر» هذا، الذي يريد التنويريّون أن يجعلوه «فولتيرًا» قبل فولتير بقرون، كان معارضًا للرياضيات! بلى، صنّف أبو الريحان البيروني كما أسلفنا رسالة في شأنه، انتقده فيها على تعاطفه مع المانويّة، وعلى كتاباته الهرمسيّة، وعلى آرائه الدينيّة والفلسفيّة، وذكر فيها رفضه ترييض الطبيعيّات (أي إخضاعها للرياضيّات)، بل ومعارضته الصريحة للرياضيّات ذاتها. إذن عندنا رجلٌ يزعم أصحابه أنّه «قدّس العقل»، ثمّ هو يُعادي الرياضيّات — وهي أصفى نتاج العقل البشريّ وأبعدُه عن الوهم والهوى —، ويأبى أن يُدخلها في بحث الطبيعة! أيّ عقلٍ هذا الذي يُقدَّس ثمّ يرفض صاحبُه البرهانَ الرياضيّ الذي هو عمود الاستدلال اليقينيّ عند الفلاسفة أنفسهم منذ إقليدس؟ ومعلومٌ أن البيرونيّ كرّس نحو خمسة وتسعين كتابًا من أصل مئة وستّة وأربعين — أي قرابة خمسة وستّين بالمئة من إنتاجه — للرياضيّات والفلك وما يتّصل بهما كالجغرافيا الرياضيّة، فكان رجلًا يعرف قدر هذا العلم وموقعه من بناء المعرفة، ولعله حين رأى الرازيّ يُعرض عن الرياضيّات كالمتكبّر عليها، حمل عليه هذه الحملة. والحق أنّ «عقلانيّة» الرازي التي يتشدّق بها التنويريّون عقلانيّةٌ انتقائيّة تأخذ من العقل ما يوافق مسبّقاتها وتُلقي بأرفع أدواته — وهو البرهان الرياضيّ — وراء ظهرها. على أن البيرونيّ أنصفه في الطبّ والتجريب، لأنه رجلٌ درس من مدرسةٍ تقول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
أمّا في باب النبوّات فقد نُسب إلى الرازي أنّه احتجّ بأنّ الله — تعالى عن قوله — خلق الناس متساوين في العقل، فلا حاجة بهم إلى نبيّ يقودهم، وأنّ في العقل وحده غنًى عن الوحي. فيقول ما معناه: على أيّ أساس يفضّل الله قومًا على قوم ويختصّهم بالنبوّة. وزعم أنّ في هذا التفضيل مدعاةً للشقاق والعداوة بين الناس. وهذا الزعم متهافتٌ من عدة أوجه:
فأمّا دعوى التساوي في العقل فمن أسخف ما قيل في تاريخ الفلسفة. إذ لو تساوى الناس في العقول لتساووا في النتائج، ولَمَا احتاج أحدٌ إلى معلّم في أيّ صناعة. وقد ذكر أبو حاتم الرازيّ هذا في ردّه حين قال لمناظره الطبيب ما معناه: أنت طبيبٌ تعالج الناس، فلِمَ احتاج الناس إليك؟ لِمَ لا يكون كلّ أهل الأرض أطبّاء ما داموا متساوين في العقل كما تزعم؟ فإن كان العقل وحده كافيًا فلا حاجة إلى طبيبٍ ولا إلى معلّمِ طبّ، وهذا يبطل صناعتك أنت قبل أن يبطل النبوّة! وهذا إلزامٌ محكم من جنس حجّة الخصم، يقطع عليه طريق المغالطة.
والحقّ أنّ التفاوت بين البشر في القدرات العقليّة والاستعدادات النفسيّة أمرٌ محسوس مشاهَد لا يُنكره إلّا مكابر. والفلاسفة أنفسهم — من أرسطو إلى الفارابي وابن سينا — أقرّوا بأنّ النفوس تتفاوت في قبول المعقولات تفاوتًا عظيمًا. فمن الناس من يبلغ درجة الحدس التامّ فيتّصل بالعقل الفعّال اتّصالًا يُفيض عليه من المعارف ما يعجز عنه غيره، وهذا عند الفلاسفة أنفسهم هو التأصيل العقليّ لمعنى النبوّة. وقد شذّ الرازي عن الفلاسفة أنفسهم قبل أن يشذّ عن المتكلّمين والفقهاء في إنكار النبوة.
وأمّا زعمه أنّ الشرائع تخالف بعضها بعضًا — وأنّ هذا الاختلاف دليلٌ على بطلانها — فهذا من أوهن الحجج. إذ اختلاف الشرائع في الفروع والأحكام التفصيليّة ملائمٌ لاختلاف الأزمنة والأحوال، وهو عين الحكمة التي يدّعي هو تقديسها. فالطبيب ذاته يصف لمريضَيْن مختلفَيْن دواءين مختلفين، فهل يدلّ اختلاف الدواء على بطلان الطبّ؟ أم يدلّ على أنّ الطبيب حكيم يُنزّل كلّ حالة منزلتها؟ والأنبياء — عليهم الصلاة والسلام — بُعثوا إلى أقوام مختلفين في أزمنة مختلفة، فاقتضت حكمة الباري أن تتنوّع الشرائع في فروعها مع اتّحادها في أصل التوحيد ومكارم الأخلاق. وهذا ما قرّره أهل الكلام والفلسفة معًا.
ثمّ إنّ في هذا الاحتجاج — أعني استدلاله باختلاف الشرائع على بطلانها — من الفساد ما يكشفه قياسه على حال أولئك الفلاسفة الذين يدّعي الرازيّ تقديسهم وينسب إليهم كلّ فضيلة عقليّة. إذ لو كان اختلاف أهل الملّة في فروع شريعتهم دليلًا على بطلان النبوّة، فما بالُ الفلاسفة — وهم أهل «العقل المحض» على زعمه — اختلفوا اختلافًا يبلغ حدّ التناقض التامّ في أصول مذاهبهم وأمّهات مسائلهم؟ فقد خالف أرسطو أستاذه أفلاطون في الكثير من آرائه الفلسفيّة وعمل مراجعة نقديّة واسعة لنظريّاته وطروحاته، حتّى إنّه اتّخذ مسافاته النقديّة من أفلاطون وقدّم عدّة اعتراضات تُبرز أنّ عمق الوجود لديه يختلف عنه عند أفلاطون. فأفلاطون ذهب إلى أنّ للفضائل وجودًا في عالم مفارق دعاه بعالم المُثُل، حيث توجد صور مثاليّة لكلّ القيم، وأنّ المعرفة الحقّة تتأتّى من تأمّل العقل في تلك النماذج الثابتة للخير والعدالة والشجاعة. وأمّا أرسطو فقد نقض هذا البناء من أساسه، إذ تبنّى منهجًا واقعيًّا تجريبيًّا يعتمد على الملاحظة والخبرة، ورأى أنّ الأخلاق نتاج تفاعل العقل مع الواقع الاجتماعيّ. فهل يُقال إنّ اختلاف أرسطو مع أفلاطون في ماهيّة الوجود وطبيعة المعرفة وأصل الأخلاق وكيفيّة الحكم — وهو اختلاف يمسّ لبّ الفلسفة ذاتها — يُبطل الفلسفة من أساسها؟ فإن قال: لا، قيل له: فلِمَ أبطلتَ النبوّة باختلاف الشرائع في فروعها وتشريعاتها الجزئيّة، ولم تُبطل الفلسفة باختلاف أربابها في أصولها وكلّيّاتها؟
بل تجاوز الأمر عند الفلاسفة حدّ الاختلاف النظريّ إلى الصراع الدمويّ والاستعانة بسلطان الحكم لفرض المذهب — وهو ذاته ما يعيبه الرازيّ على الأنبياء حين زعم أنّهم سبب الحروب والفتن. وأوضح شاهد على هذا التهافت نحو السلطة هو أفلاطون نفسه — إمام الرازيّ ومن يُصرّح بأنّ قوله أصوب الأقوال عنده — الذي لم يكتفِ بالتنظير، بل سعى فعليًا لتوظيف السلطة المطلقة لفرض مذهبه فقدم المشورة لديونيسيوس رغبةً في تجسيد أفكاره المثاليّة حول الجمهوريّة و«تنشئة الملك الفيلسوف» وقد أخفق ثلاث مرّات في محاولة إقامة مثاله للحاكم الفيلسوف في سرقوسة بصقلّية، ففي المرّة الأولى أغضب ديونيسيوس الأوّل بنقده الفلسفيّ لحياة البذخ واللهو في بلاطه، فنجا أفلاطون من الاغتيال على يد رجال ديونيسيوس الأوّل، لكنّ انتهى به الأمر مبيعًا عبدًا في إيجينا، ثمّ عاد مرّةً ثانية بدعوة من ديون — صهر الطاغية وتلميذ أفلاطون — ليُعلّم ديونيسيوس الثاني ويحوّله إلى حاكم فيلسوف، غير أنّ التجربة على الرغم من بداية واعدة أخفقت، إذ اكتسب خصوم ديون نفوذًا على ديونيسيوس. فنُفي ديون وأُهين أفلاطون. ثمّ عاد مرّة ثالثة فكان مصيره أسوأ: إذ حرص ديونيسيوس على جعل رحيله مستحيلًا، فأدخله القلعة وأسكنه في مقرّ يستحيل معه أن يُقلّه ربّان سفينة دون إذن ديونيسيوس، فصار الفيلسوف أسيرًا مقنّعًا عند الطاغية. وأمّا العاقبة فأفظع من المقدّمات: فإنّ محاولات ديون لتحرير صقلّية جرّت على الجزيرة فوضى سياسيّة واجتماعيّة دامت قرابة عشرين عامًا. وقد اغتيل ديون ذاته — بطل المشروع الأفلاطونيّ — على يد كالِبُّوس الفيلسوف الأفلاطونيّ الذي سيطر على ديمقراطيّة سرقوسة لعامً أو يزيد ثمّ قُتل. إذن فيلسوفٌ أفلاطونيّ يغتال فيلسوفًا أفلاطونيًّا آخر في سبيل السلطة! وبعد اغتياله غرقت سرقوسة في فوضى أسوأ ممّا عرفته في عهد ديونيسيوس الثاني، وتعاقب عليها طغاة ومدّعون وديماغوجيّون مزّقوا المدينة بينما تربّص بها الأعداء من كلّ جانب.
فأين ذهبت «عقلانيّة» الفلسفة عن صاحبها حين استعان أفلاطون بسلطة الطاغية ليفرض جمهوريّته الفاضلة، فانقلب المشروع إلى حرب أهليّة وخيانة واغتيال؟ وأين ذهب «سلام العقل» حين تحوّلت أكاديميّة أفلاطون إلى مصنع لقتلة يتسلّقون سلالم الحكم على جثث رفاقهم؟ فإن كان اختلاف الأنبياء في الشرائع الفرعيّة دليلًا عنده على بطلان النبوّة، فاختلاف الفلاسفة في الأصول الكلّيّة — ثمّ تقاتلهم بالسلاح واستعانتهم بالطغاة — أولى بأن يكون دليلًا على بطلان الفلسفة عنده. وحيث إنّه يأبى هذا اللازم — وهو محقّ في إبائه، فالفلسفة لا تبطل باختلاف أهلها — فقد بطل أصل قياسه، وانكشف أنّ حجّته سيفٌ ذو حدّين: إن ضرب به النبوّة قطع به عنق الفلسفة أوّلًا.
وأمّا قوله إنّ الأنبياء جاؤوا بالدمار والقتل والحروب، فقد رمى النبوّة بتهمة أنّها سببٌ في اشتعال الفتن بين مختلف العقائد والمذاهب، وهذا قلبٌ للحقائق يُضحك الثكلى. فالحروب والفتن قائمة بين البشر قبل الأنبياء وبعدهم ومعهم وبدونهم، والتاريخ شاهدٌ بأنّ أعظم المجازر في تاريخ الإنسانيّة ارتكبتها أنظمةٌ لا دينيّة في القرن العشرين، من شيوعيّة ونازيّة وغيرها، بأعداد فاقت كلّ ما عرفته الحروب الدينيّة مجتمعة. فهل يقال إنّ «العقل المجرّد» جاء بالسلام حين أغرق ستالين وماو تسي تونغ وبول بوت الأرض بالدماء؟ إنّ الحرب غريزة تنازع في الإنسان، والأنبياء جاؤوا بضبطها وتهذيبها وتقييدها بأحكام العدل والرحمة، فليت شعري، كيف يُرمى بالإجرام من يقول: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ وسبحان كامل العلم فهو يختم الآية بقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾.
إنّ آفة القومُ أنهم ينحتون من الرازي صنمًا فكريًّا على مقاسهم، يقتطعون من أخباره ما يوافق هواهم ويُسقطون ما يفضحه. فلا تجدهم يذكرون أنّ غالب أفكاره الفلسفيّة لا زالت تُجمع بناء على تقارير وُجدت عند كتّاب آخرين غالبًا ما يكونون معادين له. ولا تجدهم يفصّلون في نقد ابن سينا الذي ازدرى خوض الرازي في الإلهيّات ازدراءً شديدًا إلا على سبيل التسخط على الشيخ الرئيس ورميه بالجمود الفكري والركون إلى التقية! ولا تجدهم يذكرون أنّ للرازي كتابًا عنوانه «إنّ للعبد خالقًا» وآخر عنوانه «أسرار التنزيل في التوحيد»، ممّا يقطع بأنّ الرجل — إن صحّت النسبة — كان متذبذبًا في مقالاته، أو أنّ بعض ما نُسب إليه مكذوبٌ عليه. والأعجب من هذا كلّه أنّ أصحابنا التنويريّين — الذين يحتفون بالرازي رمزًا للعقلانيّة والتحرّر — لا يجرؤون على عرض فلسفته كاملة أمام جمهورهم. فمذهب القدماء الخمسة أقربُ إلى خرافات الغنوصيّين والحرّانيّين منه إلى أيّ فلسفة «عقلانيّة» بالمعنى الحديث، والقول بنفسٍ كلّيّة أزليّة عشقت المادّة فأنشأ اللهُ لها العالمَ تلبيةً لعشقها — وهذا ما نُقل عن الرازي كما بيّنّا — أقربُ إلى أسطورة شعريّة منه إلى بناء فلسفيّ محكم. فأين هذا من «تقديس العقل» الذي يُنسب إليه؟ لكن هذا داء التنويريين الناطقين بالعربيّة، فالقوم لا يبحثون عن الحقيقة بقدر ما يبحثون عن سلاح تاريخيّ يُشهرونه في وجه الدين، فإذا وجدوا اسمًا لامعًا نُسبت إليه مقالة في التشكيك — ولو من مصدرٍ واحد مشكوك فيه هو الآخر — طاروا به وزيّنوه وجعلوه رمزًا، وأسقطوا كلّ ما يُعارض صورتهم المصطنعة. وهذا سلوكٌ أيديولوجيّ بامتياز، يناقض روح البحث العلميّ الذي يدّعون الانتساب إليه. وفي الختام «تلك أمّة قد خلت، لها ما كسبت ولكم ما كسبتم»، فسواء قال الرازي هذا أم لا فإنّه في ذمّة ربّه. لكنّ المعنيّ بالأمر تفكيكُ هذه الأسطورة الحديثة، وبيانُ أنّ «الفكر الحرّ» الذي ينسبونه إلى الرازي أقرب إلى الثيولوجيا الوثنيّة منه إلى الفلسفة المحكمة، وأنّ حججه في إنكار النبوّة حججٌ واهية أسقطها معاصروه قبل أن يسقطها التاريخ.
وكفى بالمرء خِذلانًا أن يتّخذ أبطاله ممّن هزمهم خصومُهم في حياتهم وبعد مماتهم.

