«الفلسفة» في قفصٍ يونانيّ
لو أنّ قارئًا في زماننا فتح المُصحف على سورة يوسف، فوقعت عيناه على قوله ﴿وجاءت سيّارةٌ فأرسلوا واردهم﴾، ثمّ سبق إلى وهمه أنّ في القصّة عربةً تجري بمُحرّكٍ ووقود قد أقبلت على الجُبّ فانتشلت الغلام، لعُدّ صنيعُه غلطًا فاحشًا، وافتراءً «شاطحًا». والعلّة في زلله أنّه حمل لفظ «سيّارة» على ما ترسّخ في ذهنه من معناه المُحدَث، ولم يعلم أنّ اللفظ في سياقه القرآنيّ إنّما وُضِع لجماعة الرُّكب والمُسافرين الذين يسيرون في الأرض. فقد تكون الكلمة، إذن، واحدةً في رسمها ونُطقها، وتُباينُ دلالتُها في القرن الأوّل ما آلت إليه في القرن الخامس عشر. وهذا الضرب من الخلل — أعني نقل الدلالة المُتأخّرة إلى نصٍّ مُتقدّم، وهو ما يسمّيه المُؤرّخون «المُفارقة الزمانيّة» (anachronism) — هو بعينه ما يقع فيه جمهور مَن يتناول «الفلسفة» في التراث الإسلاميّ، فيُسقِط على القوم في القرن الرابع والخامس مفهومًا لم يكن حاضرًا في أذهانهم ولا في ألسنتهم.
تُعرَّف الفلسفة، في زماننا، بأنّها «نشاطٌ عقليٌّ نقديٌّ يتناول أعمّ مسائل الوجود والمعرفة والقيم بالتحليل والمُساءلة، من غير التزامٍ بمذهبٍ بعينه ولا بنتيجةٍ مُقرّرةٍ سلفًا». وهذا حدٌّ فضفاضٌ ينفتح على كلّ وجهةٍ، ويسع الماديّ والمثاليّ والمُؤمن والمُلحد جميعًا تحت خيمته الواسعة. وليست هذه الدلالةُ عينَها في القرن الرابع والخامس للهجرة؛ ذاك أنّك متى قرأت في تراجم القوم عبارة «وكان يقرأ كتب الأوائل» أو «نظر في علوم القدماء»، فالمُنصرَف إليه عندهم بداهةً هو الفلسفة اليونانيّة بعينها، محمولةً بجميع تبعاتها ولوازمها، كالقول بقِدَم العالم وأزليّته، وإثبات العقول المُفارقة العشرة وفق النموذج الفلكيّ البطلميّ (وهو نموذجٌ أبطله العلم الحديث من أصله، فسقط بسقوطه شطرٌ عظيم من الطبيعيّات اليونانيّة وما امتزج بها من الإلهيّات، سيّما في فلسفة الإسلاميين). ولا مشاحّة في أنّ اللفظ نفسه — فلسفة — لفظٌ معرّبٌ عن اليونان، بقي محصورًا في التقليد الهلينيّ المنقول (وإلى هذا يُشير بعض دارسي التراث العقليّ في الغرب حين يقصرونه على هذا المورد دون سائر ضروب النظر عند المسلمين).
ولكي نكون على بيّنةٍ من مُراد أصحاب الصنعة أنفسهم، دون احتكامٍ إلى كلام خصومهم، يحسُن إيراد حدودهم كما صاغوها. فالفلسفة عند الفارابي هيَ «العلم بالموجودات بما هي موجودة». وأمّا إخوان الصفا فيقدّمون حدًّا بلاغيًّا لا يخلو من مسحةٍ باطنيّة: «الفلسفة أوّلها محبّة العلوم، وأوسطها معرفة حقائق الأشياء بحسب الطاقة الإنسانيّة، وآخرها القول والعمل بما يوافق العلم». ويحُدّها الشيخ الرئيس بأنّها «استكمال النفس الإنسانيّة بتصوّر الأمور والتصديق بالحقائق النظريّة والعمليّة على قدر الطاقة البشريّة». ومن جانبٍ لغويٍّ يعدّها الخوارزميّ صاحب «مفاتيح العلوم» من علوم العجم — أي الدخيلة المُترجَمة — فيقول: «الفلسفة، وتفسيرها محبّة الحكمة... وهي تنقسم قسمين، أحدهما الجانب النظريّ والآخر الجانب العمليّ».
فما القدر المُشترك بين هذه الحدود على تباين ألفاظها؟ الحقّ أنّها تدور جميعًا على مُفرداتٍ عامّةٍ فضفاضة مستعارةٍ بدورها من يونان («محبّة الحكمة»، و«العلم بالموجودات»، و«معرفة حقائق الأشياء») ولو أُخِذت بظاهرها لوسِعت كلّ نظرٍ عقليٍّ في أيّ ملّةٍ ونِحلة. غير أنّ العبرة بالتطبيق دون الحدّ المُجرّد؛ ذاك أنّ القوم متى نزلوا من سماء التعريف إلى أرض العمل، عَنَوا بـ«حقائق الأشياء» التفسيرَ الأرسطيّ الأفلاطونيّ للكون على وجه التعيين، كالقولِ بالعقول العشرة، ونظريّة الفيض، وثنائيّة الهيولى والصورة. فقدّموا هذه التصوّرات اليونانيّة المحدودة بوصفها السقف الأخير للطاقة البشريّة، ومُنتهى ما يبلغه العقل الكلّيّ.
وهل غابت عنك المفارقة في أنّ حدًّا يُفتتح بـ«محبّة الحكمة» يؤول في مُمارسته إلى مذهبٍ مُغلقٍ له أعلامه ومقولاته ونتائجه المحسومة سلفًا؟
وهذا أوّل ما يُؤخَذ على الحدّ نفسه، قبل الخوض في تفاصيل المذهب حتى. فقولهم «العلم بالموجودات» و«حقائق الأشياء» يقوم على فرضٍ مؤدّاه أنّ الموجودات كتلةٌ واحدة، تُقاس بأداةٍ واحدة، وتُدرَك بمنهجٍ واحد. وفي هذا خلطٌ للطبيعيّات القابلة للقياس والمُشاهدة بالإلهيّات والغيبيّات التي تمتنع على أدوات الحسّ امتناعًا ذاتيًّا. وربما قيل: وأين الإشكال في توحيد النظر؟ والجواب أنّ آلة المنطق الصوريّ موضوعةٌ أصلًا لضبط المحسوس المُتناهي، فنقلُها إلى اقتحام عالم الغيب وما وراء الطبيعة، مع اعتقاد يقينيّة صلاحيّتها هناك، مُجازفةٌ يعجز البرهان عن تسويغها. ولا غرو أن يورث هذا التوحيدُ القسريّ للموضوعات ثقةً في العقل تفوق ما يحتمله، وتُنزِله منزلة الحاكم الفصل في ميدانٍ ليس من ولايته.
وضبطُ هذا المعنى التاريخيّ للّفظ هو الشرط الأوّل لكلّ حكمٍ عادلٍ على القوم، مدحًا كان أو قدحًا؛ فمن حاكمهم إلى «فلسفة» زماننا المفتوحة فقد ظلمهم (وظلمَ اللفظة كذلك)، إذ حمّلهم ما لم يقولوه. وعلى هذا التحرير الدلاليّ يُبنى ما يأتي من النظر في مقاصد القوم ومآخذهم.
كهنوت «الخاصة» وسقوط الفيزياء اليونانيّة
إنّك إذا رجعت إلى حدَّي إخوان الصفا والشيخ الرئيس ألفيتَهم يذكرون «استكمال النفس» وارتباط العلم بالعمل، فيُسأل القومُ: هل الفلسفة، بما هي بحثٌ ونظرٌ، بلغت أن تكون منظومةً مثاليّةً كاملةً؟ ذاك في خيالهم فحسب، وقد اعتقدوه فعلًا، وهو زعمٌ يستسخفه النظرُ المعاصر وعلمُ الاجتماع. وقد اختلف الفلاسفة أنفسهم في دقائق الأخلاق والحكمة والعلم اختلافًا واسعًا. وليس اختلافُ أهل الفنّ عيبًا يُنبَذ الفنُّ لأجله — وإلّا لنبذنا النحو والفقه والكلام — لكنّ أصحاب هذه العلوم يحتكمون إلى مرجعيّةٍ ثابتةٍ يرُدّون إليها النزاع، فأين مرجعية الأرسطيّين؟ هذا وكلُّ فريقٍ منهم يزعم أنّه بلغ حقيقةَ ما أراده «المعلّم الأوّل»، ولا سبيل إلى الفصل بينهم البتّة. ولك أن تنظر في تبرّؤ ابن رشد من مقالاتِ ابن سينا دفاعًا عن أرسطو، حتّى قال فيه نصًّا في تهافت التهافت: «وهذه الشنعة إنّما لزمت الفلاسفة من قِبَل ابن سينا»، وستأتي على أمثلة هذا التناحر لاحقًا.
على أنّ الإنصاف، قبل أن نمضي قُدمًا في هذا المقال، يمنع من عذلهم وتكفيرهم، واجتهادهم وإن كان اجتهادًا فاسدًا من الوجهتين النقلية والعقلية، غير أنّه اجتهادٌ صدَر في زمنٍ كان فيه أرسطو «ميزان» كلّ حقٍّ. وإنّما رام القومُ خدمةَ الإسلام بحمله على موافقة ما كان يُعَدّ في عصرهم «العلم الحقيقي». وربما قال الفقيه: هذا اجتهادُ سوءٍ مردودٌ لمخالفته ظاهر الشرع، وهو صادقٌ في ذلك، لكنَّ في ديننا سعةً لكل مجتهدٍ من أهل القبلة.
وإذا تقرر هذا، فاعلم أنّ الجهة العقلية وحدها كفيلةٌ بنقض شطرٍ عظيمٍ من مقالاتهم اليوم. فنحن أبناءُ القرن الحادي والعشرين نعلم، مثلًا، أنّ الكون حادثٌ لا أزليٌّ، ولا نستند في ذلك إلى مقالة المتكلمين فحسب — وإن كان طرحُهم يُعَدّ عند فلاسفة الدين واللاهوتيّين من أمتن ما يُحتَجّ به، يُنظر في الحجّة الكونية الكلامية (Kalam Cosmological Argument) — بل نعلم أنّ «الهيولى» لم تعُد مفهومًا يُعتَدّ به في النظر الفلسفي المحقَّق، ونعلم أنّ حجّتهم في ردّ المعاد الجسماني ساقطةٌ من الوجهة العلمية كذلك. فإنّ المُعترض قديمًا ربما قال: الذي أوجد ابتداءً كيف يُستصعَب عليه جمعُ الرفات ولو تفرّق في بطون الحيوان وبقايا النبات؟ والمُعترض اليوم يعلمُ فوق ذلك، عبر الحمض النووي وما فيه من شيفرةٍ وراثيةٍ محفوظةٍ تختزن هويّة الكائن في تسلسل قواعده الأربع، أنّ للمادّة الحيّة أثرًا بنيويًّا باقيًا قابلًا للقراءة وإعادة البناء، فلا يبقى للاستبعاد العقلي موضعٌ يقوم عليه من جهةِ الاستحالة. وسبحانه إذ قال: ﴿قُل يُحييِهَا الَّذي أَنشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلقٍ عَليمٌ﴾!
ومن معايب المشّائين المتكاثرة قسمتُهم الناسَ فئتين: خاصّةٌ (هم)، وعامّةً (من عداهم). ولم يُرِد القومُ بالعامّة سُذَّجَ الناس وبسطاءهم، وإنَّما مصطلحهم يسَع الطبيب والفقيه والنحويّ والكاتب والأديب. فزعموا أنّ الأنبياء إنّما خاطبوا هؤلاء العامّة بالرمز والتخييل لعجزهم عن احتمال «الحقيقة» — والحقيقة عندهم هي تعاليم أرسطو، طبعًا! — حتّى إنّهم أنزلوا العلومَ التطبيقية ومنها الطبُّ منزلةَ صنائع العامّة، وكانوا قد سخطوا على الفخر الرازي (ت ٦٠٦ هـ) أنّه عدَّ صنعة الطب أشرفَ من الفلسفة.
وأحسبُ هذا موروثًا مباشرًا عن اليونان، إذ كان العملُ اليدويُّ للعبيد والمنبوذين، والنظرُ المجرّدُ حِلْيةَ الأحرار. ومن جهةٍ أخرى في نقدِ مسألة الخاصة والعامة هذه، يرى طه عبد الرحمن أنّ القوم كانوا ينهَون عن التقليد الأعمى وهم أغرقُ الناس فيه، إذ قلّدوا أرسطو واليونان، فجاءت فلسفتُهم مجرّدةً باردةً قاصرةً عن الفاعلية الأخلاقية والعملية التي حملها الإسلام، كذلكَ عدَّ قسمتَهم الناسَ خاصّةً وعامّةً هدمًا لمبدأ التكليف والمساواة المعرفية. وهو مصيبٌ فيما ذهب إليه، وأنت انظر كيف تأخذُ عن معلّمٍ يخاطبك بـ«يا جاهلُ يا عاميُّ»، وآخرَ يقول: «يا بنيّ، نحن نتعلّم ونستفيد بعضُنا من بعض».
والحقُّ المؤسفُ أنّ القطيعة بين الفلاسفة والمجتمع الإسلامي يقع ثلاثةُ أرباع تبعتها عليهم، لأنّهم آثروا العزلةَ، وأبَوا أن يروا سائر الناس أندادًا لهم في الفكر، لمجرّد أنّهم لا يجرون على ألسنتهم ألفاظَ الهيولى والجوهر والحيثيّة بالاعتبار اليوناني!
من الفيلسوف حقًا؟
ذكرنا في القسم السابق أنّ الفلسفة اليونانيّة، وما استقرّ في نصوص أرسطو خاصّة، كانت تُعَدّ في مطالع حركة الترجمة والتفلسف الإسلاميّ ميزانًا لكلّ صوابٍ ومقياسًا لكلّ خطأ، حتّى صار المنقول عن «المعلّم الأوّل» بمنزلة المُسلَّمة التي يُقاس عليها ولا تُقاس. ومن هنا نشأ ذلك المجهود الدؤوب في تطويع الشرع للفلسفة (وليسَ العكس، إلا قليلًا)، فتارةً يُنتزَع النصّ القرآنيّ من سياقه ليُحمَل على معنًى فيّاضيٍّ أو فلكيّ، وتارةً يُقسَم الخطاب قسمين، فشرعٌ ظاهرٌ للعامّة وحقيقةٌ باطنةٌ للخاصّة، وتارةً يُجعَل الأنبياء من جملة الفلاسفة، اللهمّ إلّا أنّهم — في زعمهم — مُبتلَون بمُخاطبة الجمهور بالرمز والتخييل لعجزه عن احتمال البرهان الصريح. وهذه كلّها فروعٌ عن أصلٍ واحد هوَ تقديم المنظومة اليونانيّة على ما عداها، ثمّ ليّ عنق النصّ ليوافقها.
والحقّ أنّ الفلسفة السينويّة، وهي تُعدُّ تقريبًا بداية الفكر الفلسفيّ الجادّ المُتبلوِر في أرض الإسلام، سبقها نشوءُ علمٍ إسلاميٍّ أصيلٍ هو علم الكلام. ويُحَدّ الكلام بأنّه «علمٌ يُقتدَر معه على إثبات العقائد الإيمانيّة بإيراد الحجج العقليّة، ودفع الشُّبَه عنها». فهو علمٌ عقليٌّ برهانيٌّ في صميمه، غير أنّه وُلِد لغايةٍ عمليّةٍ مُلِحّة، وهذه الغايةُ هيَ الذبّ عن العقيدة في وجه أممٍ ومللٍ دخلت خريطة الدولة الإسلاميّة، من مانويّةٍ وثنويّةٍ ومجوسٍ ونصارى وأصحاب دهرٍ وطبائع. وكون الكلام علمًا جدليًّا مُناظِرًا بطبعه هو الذي حمل بعض الفلاسفة على التعالي عليه، فعدّوه صناعةً خطابيّةً جدليّةً دون رتبة البرهان اليقينيّ الذي احتكروه لأنفسهم.
والظريف في الأمر أنّ علم الكلام كان أشدّ قربًا من روح الفلسفة — بمعناها الحرّ الذي ذكرناه آنفًا، أعني النظر النقديّ المُساءِل — من تلك «الفلسفة» التي عرفها ابن سينا وابن رشد. ذاك أنّ المُتكلّمين رأوا نقد أرسطو والتشنيع عليه أمرًا سائغًا مشروعًا، بل واجبًا حيث تقتضيه الحجّة، على حين أنّ المشّائين وقفوا من نصوصه موقف التعظيم والاتّباع. فتجدُ المتكلمَّ يُخاصم «المعلّم الأوّل» كما يُخاصم غيره من الخصوم، ويزنه بميزان العقل والنقل جميعًا، دون هيبةٍ تمنعه أو تقديسٍ يشلّ نظره، ولا تكاد المشائية تعارضه إلا على استحياء!
وشاهدُ هذا ما قرّره القاضي عبد الجبّار المعتزليّ (واحفظ لفظ «معتزليّ» جيّدًا، فله ما بعده) في تسخيف طبيعيّات أرسطو وفلكيّاته، إذ يقول: «أمّا أرسطوطاليس هذا فلا مُعوَّل على ما يقوله، وإن كان أصحابه قد صدّقوا عليه، فهو غير كامل العقل؛ لأنّهم حكوا عنه أنّ هذه الأجسام العلويّة من الشمس والقمر والكواكب لا يجوز أن تنقسم ولا تتجزّأ ولا تتبعّض، وأنّ الشمس ليست حارّةً ومُحالٌ أن تكون حارّةً... ومن جهله أنّه اعتقد أنّ السماء والشمس والقمر والكواكب عاقلةٌ مُميِّزةٌ سميعةٌ بصيرةٌ ضارّةٌ نافعةٌ تُحيي وتُميت، وأنّ كلّ حادثةٍ في هذا العالم من فعلها وتأثيرها». والقاضي عبد الجبّار هذا يمثّل الاعتزال في طور نضجه واكتماله، وهو من أعاظم متكلّميه؛ فمتى وجدت معتزليًّا يكتبُ «قال القاضي» فمُنصرَف اللفظ إليه بلا التباس.
وإذ تبيّن هذا، تيّقنتَ أنّ الكلام ليس فرعًا من الفلسفة المشّائيّة كما يتوهّم كثيرٌ من المُتأخّرين ممّن يخلطون خلطًا ظالمًا فاسدًا؛ بل إن الفريقين كانا خصمين مُتنازعين (كما سيأتي بيانه)، وربما التقيا في بعض المسائل كما يلتقي المُختلفَان في الأصول يتّفقان عرَضًا في فرع. وانظر في نقد القاضي تجد أنّه، من حيث لا يقصد إلى علمٍ حديثٍ بعدُ، يوافق ما استقرّ عندنا اليوم من إبطال حياة الأفلاك وعقلها، ومن تسليم قابليّة الأجرام العلويّة للانقسام والحرارة والتغيّر. وقد كان ينقض على أرسطو بمقتضى العقل المُجرّد، فصادفت نتيجتُه ما بلغه الرصد والتجربة بعد قرون.
وليس القصد من هذا تنزيه الكلام وجعله علمًا معصومًا خلا من الزلل؛ فهو علمٌ كسائر العلوم النظريّة، وقع فيه ما وقع من الأغلاط والفروض المُتهافتة، أعني نظريّة الجوهر الفرد من ناحية وبعض لوازم القول بالأحوال وما جرى مجراها. والحقّ أنّه لم يزعم أحدٌ أنَّ الفضيلة التي تُحسَب للكلام هيَ بلوغه الحقّ في كلّ مسألة، وإنّما تحرّره من ربقة تقديس أرسطو، واحتفاظه بحقّ المُساءلة والنقض تجاه أعظم أعلام اليونان. فبهذا القدر وحده كان أقرب إلى المعنى الأصيل للنظر الفلسفيّ من المشّائين المُتّبِعين. ولا غرو، بعد هذا، أن يكون القاضي عبد الجبّار في عُرف المشّائيّة محضَ «عاميٍّ جدليٍّ» لا يرتقي إلى مصافّ أصحاب الحكمة؛ إذ الميزان عندهم أن تنطق بلغة الهيولى والصورة والفصل والخاصّة، فمن نطق بغيرها أُلحِق بالعامّة وإن أقام الحجّة وأفحم الخصم. وهذه القسمة الجائرة نفسها هي ما سيأتي تفصيل القول في فسادها.
هل المعتزلة فلاسفة في عُرف أهل زمانهم؟
هاهنا يقعُ الخلط. فالجواب المُعتبرُ أنّهم متكلّمون لا فلاسفة، بل إنّ الفلاسفة كانوا في عدادِ خصومهم. ولك في ركن الدين ابن الملاحميّ المعتزليّ الحنفيّ (وكان من معاصري ابن سينا) خيرُ شاهد؛ ويكفيك من عنوان كتابه «تحفة المتكلّمين في الردّ على الفلاسفة» أن تعلم أين موقع الرجل من القوم، إذ سلَّحَ نفسه لمُحاربة الفلسفة الهلّينيّة ونقض أصولها الإلهيّة والطبيعيّة. ولعلَّ ما سادَ من ربطِ المُعتزلة بالفلسفة اليونانية (والفلسفة هاهنا، كما بيّنّا، بمعناها الاصطلاحي الخاصّ عند القوم، لا تشمل كلّ نظرٍ عقليّ كما في عصرنا) إنّما رَوَّجه بعضُ الخصومِ بحسبان كلّ إعمالٍ للعقل ضربًا من الفلسفة، وكلُّ فلسفةٍ ضربًا من الدخيل الأعجميّ الوافد على حِمى الشريعة. وهذا سلاحٌ مشهورٌ يتذرَّعُ بهِ خصومُ النظر العقليّ عامّة؛ إذ وجدوا في نسبة الكلام إلى «اليونان» طريقًا أقصر لهدمه من مُناظرته حجّةً بحجّة. فبدل أن يُقال لصاحب النظر: «حجّتك باطلة»، وهذا مقامٌ يستدعي جدلًا وبرهانًا قد يُعييهم، قيل له: «حجّتك مستوردة»، وهذا المقام، خلافَ الأول، لا يستدعي إلّا تشنيعًا وتخويفًا من «الدخيل». عِلمًا أنّ الناقد لعلم الكلام بذاتِ سلاح الكلام، أي بالنظر العقليّ والقياس المنطقيّ يُقيم به حجّته على إبطال المبحث ذاته، داخلٌ في حدّ «المتكلّم» شاء أم أبى، إذ الكلامُ إعمال العقل والاستدلال في تقرير أصول الاعتقاد ونقضها، ومن ناظر في هذا الباب بحجّةٍ عقليّة فقد ناظر بأدواتِ الكلام فصارَ، حسبَ الإصطلاح، مُتكلمًا؛ تمامًا كما يُعدّ الرازيّ والغزاليّ، بحسب اصطلاح زماننا، «فلاسفة».
وقد كان في هذا التلبيس ظلمٌ فادحٌ لأهل الكلام أنفسهم، ذلك أنّهم — كما مرّ بك في شاهد ابن الملاحميّ — إنّما نهضوا لمُدافعة الفلسفة اليونانيّة بأدواتٍ من جنس أدواتهم هم، ولكنّ التشنيع لا يُعنى بشيءٍ قدر عنايته بتحقيق الغاية، وغايتُه من هذا بيّنة، أن يُقال للعامّة: إنّ كلّ من أعمل عقله في أصول دينه فإنّما هو يستورد لكم فكرًا يونانيًّا لا يمتّ إلى دينكم بصلة، فيُغلَق باب النظر بذريعة سدّ الذرائع، ويُستَعاض عن دحضِ الحجّة بتجريم صاحبها. وهذا ظاهرٌ في زماننا، مع الأسف.
ولزيادة الأمر وضوحًا نعيد التذكير بما يرتبط به لفظ «الفلسفة» في ذلك العصر، وبمُفارقته لدلالته في زماننا. فالفلسفة بحدّها المُعاصر — أعني النظر العقليّ الحرّ في مسائل الوجود والمعرفة — تنطبق على المتكلّمين انطباقًا حسنًا؛ ومن هنا تجد الباحثين الغربيّين حين يتناولون أعلام الكلام (من أمثالِ الغزاليّ، والرازيّ، والقاضي عبد الجبّار، بل ابن تيميّة عند بعضهم) يُدرجونهم في خانة «المفكّر المسلم» أو «الفيلسوف المسلم» دون حرجٍ ولا تحفّظ (وهذا صنيع مُتّسقٌ مع اصطلاحهم)، ذاك أنّ الحدّ المُعاصر يسع هؤلاء جميعًا. غير أنّك لو خاطبت واحدًا منهم في زمانه بقولك «أنت فيلسوف» لتبرّأ من الوصف ونفر منه، لما يحمله اللفظ عندهم من لوازم القول بقِدَم العالم وإنكار علم الجزئيّات وردّ المعاد الجسمانيّ. فالعبرة بالمُسمّى ودلالته المُستقرّة عند أهله.
بل أزيدكَ من عجائبِ المُفارقات أنّ نُظّار الغرب ومُحقّقي المُستشرقين، ممّن سبروا أغوار التراث، قد جعلوا «علم الكلام» هو الفلسفةُ الإسلاميّة الخالصة، وألحقوا مباحث المشّائين بمنزلة الظلّ التابع والنسخة المُقلّدة لليونان. فيضع ريتشارد فرانك وهاري ولفسون المتكلّم في رتبة الفيلسوف المُؤسِّس، بل يرونَ في نقضه للطبيعيّات اليونانيّةِ بناءً عقليًّا مُستقلًّا. فهذا المُستشرق الذي يتّخذه بعض حداثيّة زماننا ميزانًا، يشهدُ بفضلِ طائفةٍ اجتهد هذا الحداثيُّ في تسخيفها وطمس مآثرها العقليّة.
والحقّ أنّ المعتزلة بخاصّةٍ من أشدّ الطوائف تعرّضًا للتُّهم، إذ كانوا في أطوارهم الأولى على تعظيمٍ للعقل بلغ حدّ المُغالاة، حتّى قدّموه في مواضع كان الأليق فيها التوقّف؛ وهذا الإفراط المُبكّر هو الذي سهّل على خصومهم من سائر المدارس الكلاميّة توجيه سهام النقد إليهم، وذلك قبل نُضج الفكر المعتزليّ واكتمال أدواته. ولعلّ القارئ يستغرب حين نذكرُ أنّ هذا النُّضج إنّما تحقّق في طورٍ مُتأخّر عن النظَّام والعلَّاف وابن سينا الفيلسوف، أعني ما بعد «التهافت»؛ فالمشهور في الأذهان أنّ الفكر الإسلاميّ بلغ ذروته ثمّ أخذ في الأفول عند تلك اللحظة بعينها!
عن أسطورةِ موتِ العقل، وآفةُ النَّسخِ والنقل
هذه المُغالطة، أعني نسبة الأفول المزعوم للفكرِ الإسلامي إلى التهافت، شائعةٌ لحدٍ ما وإن كانت مرفوضةً في الأوساط العلِمية على الحقيقة، فكثيرٌ من الغرب يرون أنّ كتاب «تهافت الفلاسفة» كان السبب في تراجع العالم الإسلاميّ وجُموده، بل قد تبعهم في هذه المقالة نفرٌ من مُتثاقفينا ممّن يُردّدون دون نظر. وليعذر القارئ الكريمُ حِدّة العبارة، فالحقّ أنّ من ينقل حُكم القوم على الكتاب من غير أن يفتح دفّتيه حقيقٌ بأن تُنزع عنه صفة الثقافة ويُقال فيه: هذا دعيٌّ وكذابٌ أشِر! ذاك أنّ أبا حامد إنّما قدّم نقدًا موضوعيًّا للفلاسفة، ولم يفعلَ هذا إلّا بعد أن صنّف كتابًا مُستقلًّا عرض فيه آراءهم ومقالاتهم عرضًا أمينًا («مقاصد الفلاسفة»)، وكان هذا الكتابُ من التفصيلِ والوضوح حتّى ظنّه اللاتينيّون واحدًا من المشّائين وترجموه على أنّه من أنصار القوم. وهذا العرضُ النزيه شرط النقد المُنصف الذي يعجز عنه أدعياؤه اليوم. ولهذا فإنَّ اللاتينيّين في أوروبا القروسطيّة، لمّا وقعوا على كتاب «المقاصد» ونقلوه إلى لسانهم، أنزلوه منزلة العُمدة في التدريس، وعدّوا أبا حامدٍ رأسًا من رؤوس المشّائيّة، وأسموه في تراجمهم «الغازيل» (Algazel). فلبثوا عقودًا مُتطاولة يعكفون على مُصنّفه على فرضِ كونه شارحًا أمينًا لابن سينا، وقد أغراهم بوضوحِ عبارته وتمام تصوّره، حتّى ظهر لهم كتاب «التهافت»؛ فتبيّنوا يومئذٍ أنّ الرجل أتقن عرض المذهب ليُحكم تقويضه، وأحاط بمداركه ليكرّ عليه بالنقض. فبأيّ وجهٍ بعد هذا يُرمى العالمُ الفاضِل بقلّة البضاعة أو يُتّهم بمُعاداة النظر؟
ومن هاهنا ينفذُ بعض المُتطاولة للتشنيع عليه في مسألة «التكفير»، وتراهم يخلطون خلطًا قبيحًا بين تكفير المقالة وتنزيل الحُكم على القائل. ولا بأس، لنقل: هبْ أنّه أوقع الحكم عليهم عينًا، فهل أمعنتَ النظر في المسائل التي أوجبت هذا القضاء؟ هي ثلاثُ قضايا تهدم أصول المِلَّةِ من القواعد كما يرى الغزاليّ، وتُصادم قطعيّات الدين عيانًا، قولهم القول بقِدَم العالم، وإنكار علمه سبحانه بالجزئيّات، وجحد المعاد الجسمانيّ. ولم يقل: «هم كفّار وحسب!» كما يزعمُ ناقدوه، وإنّما أقام الحجّة وشفع كلّ دعوى بنقضٍ عقليٍّ مُفصّل يُلزم الخصم.
ولا أعلمَ لماذا لم يذكر يوسف البناي (العِلمويُّ الذي ينسب للطبيعة افعال «الاختيار» و«الإرادة» و«التصميم»😅) حين نشرَ مقطع شيخِه الغربي يزعمُ فيه أنَّ تراجع المسلمين إنّما قام عليه أبو حامد، و«إعمال العلم في خدمة الدين» (وكأنّ في هذا عيبًا يُلام عليه أعيانُ المُسلمين!)، لماذا لم يذكر البناي أنَّ شطرًا عظيمًا من نقد الغزالي كان منصبَّا على رفض خلط الطبيعيّات بالإلهيّات، وهو مأخذٌ في محلّه، بل هو عين الصواب؟ فالقوم استعملوا يقينيّات الرياضة والهيئة — وهي ممّا يقبل البرهان والقياس — ذريعةً لتمرير مقولاتهم الميتافيزيقيّة التي لا سبيل إلى إخضاعها للمُشاهدة، فأوهموا أنّ صدق الأولى يستلزم صدق الثانية. ولو أنّك عرضت على عالِم الكيمياء في أيّامنا أن نأخذ منه تجاربه المُحكمة ثمّ نمزجها بمقولاتٍ عن العقل الفعّال والفيض والصور المُفارِقة، ونجعل الجميع في رتبةٍ واحدة من اليقين، لعدّ صنيعك ضربًا من العبث ورفضه رفضًا قاطعًا. وهذا بعينه ما نهض الغزاليّ لإبطاله في تصرّف المشّائين، حين فصل بين ما قام عليه الدليل وما زُيِّن بلبوس الدليل.
والحقّ أنّ «التهافت» أبان عن نفَسٍ عميقٍ وبُعد نظرٍ يعزّ نظيره؛ فمَن قرأ مسألة العلّيّة فيه وجد أبا حامد قد سبق إلى نقض الضرورة العقليّة في اقتران السبب بمُسبَّبه سبقًا بيّنًا. ويحزنني أنّه لم يفتح أكثر ناقديه مُقدّمة الكتاب، ولو فتحها لكفته، ولو قرأه لأغناه عن الترديد. ولستُ أدري، صدقًا، بأيّ ميزانٍ يُمدَح ديفيد هيوم على إنكاره العلّيّة الضروريّة ويُذمّ الغزاليّ على القول بنظيره قبله بقرون؟ اللهمّ إلّا أن يكون الميزان هو اللسان الذي صدر عنه القول!
عزيزي الحداثي: الأورثوذكس لا يعادون العقل
إنَّ إعمال النظر وتقديم الحجّة العقليّة ليس أصلًا ممّا يُنكِره حتّى مَن يُسمّيهم مُثقّفونا بـ«الأورثوذكس» (وهي لفظةٌ يهواها كثيرٌ منهم لِما توهم من دقّةٍ وعُمق)، ولستُ أُحيلك في إثبات هذا على مؤلفاتِ الرازيّ ولا مُصنّفات القاضي عبد الجبّار، فذاك متوقَّعٌ من أهله؛ بل اذهب إلى ابن تيميّة الأثريّ نفسه، وستجدُ أنَّ الرجلَّ المُتهمَّ بالتزمت وقتلِ «العقلِ الحر» صنّف عملًا ضخمًا نهض فيه لإبطال دعوى مَن زعم وقوع التعارض بين قاطع العقل وصريح النقل، وقرّر أنّ الصحيح من المعقول لا يُصادم الثابت من المنقول أصلًا، وسمّاه «درء تعارض العقل والنقل»، فما الفرقُ بين هذا وبين صنيع ابن رشد في «فصل المقال» حين قرّر أنّ الحكمة أُختُ الشريعة وأنّ الفلسفة لا تُعارض الشرع؟ الحقُّ عند المُنصفين أنَّ ابن تيميّة أوسع لفظًا وأفسحُ صدرًا، فقد تكلّم على «العقل» بمعناه الأشمل، أعني الفطرة النظريّة الصحيحة أنّى وُجِدت، في حين عنى ابن رشد بـ«الفلسفة» ما اصطلح عليه «المعلّم الأوّل» بعينه، ومنظومته الطبيعيّة والإلهيّة المخصوصة. وشتّان بين المقامين، أعني مقامَ المُدافع عن العقلِ بما هو آلةٌ عامّةٌ للنظر، والآخر الذي يُدافع عن مذهبٍ مُعيّنٍ له صاحبه ومقولاته المحسومة.
ولا يُنكر أنّ ابن رشد كان في ردّه على الغزاليّ شديد التعنيف، حادّ العبارة؛ فمن قرأ «تهافت التهافت» وجده كثيرًا ما يهزأ بالأشاعرة (خصومه) ويسخر من نقدهم للسببيّة ومن قولهم بحدوث العالم، ويعُدّهم قد أفسدوا صفاء «البرهان» بما أدخلوه عليه من الجدل. ولقد بلغ به الغلوّ في تقديس البرهان الأرسطي أن أخرج خصومهُ المتكلمين من دائرةِ النَّظر العقلي المُعتبر، وألحق أئمتهم بطائفة السفسطائيين، متهمًا إياهم بتمزيق عرى الشريعة، لمجرد أنهم خالفوا مقررات معلّمه اليوناني!
ومأساةُ الرجل أنّه جاء في طورٍ أخذ فيه العقل الإسلاميّ ينضج ويستقلّ، فحمل على عاتقه مشروعًا قُضِي عليه بالإخفاق قبل أن يبدأ، وأعني بهذا مشروع استرداد أرسطو خالصًا، وإعادة الاعتبار للمشّائيّة بعد أن نقضها الغزاليّ. ومن طريف ما يُلحَظ في عمله أنّه يوافق أبا حامد في كثيرٍ من نقده لابن سينا، ثمّ يكرّ عليه في مواضعَ أُخرى بالقول الغليظ؛ فهو يوافق الغزالي في كثيرٍ من نقده للشيخ الرئيس لأنّه يرى أنّ ابن سينا ومدرسة المشارقة قد شوّهوا أرسطو حين خلطوه بالعرفانيّات وأقحموا عليه ما ليس منه، حتّى زعمَ في بعض المواضع أنَّ ابن سينا خبط خبطَ عشواء لتأثّره بالأشاعرة واقتباسه من أصولهم! فالرجل يُدافع عن «أرسطيّةٍ نقيّة» في وجه الفريقين.
أيُّ «ابن رشد» هذا الذي نعرِفه؟
لقد نالَ ابن رشد ما ناله من الحظوة عند الغرب — ومن بعده عند جماعاتٍ حداثيّةٍ في بلادنا — لأنّه كانَ حاملُ لواءِ معلمهم أرسطو بجدارة، ولهذا يريدون له أن يُمثّل صورة الفيلسوف المُضطهَد الذي حاربته السلطة ورجال الدين لأنّه أتى بالحقيقة العُليا؛ سقراط العرب، إن شئت العبارة. وهذه الصورة طبعًا منحولةٌ مُتوهَّمة. فالعلمان قائمان في زمانِه، وكانت مصنّفات المنطق تُدرَّس والفلسفة تُقرأ (ردًّا ونقضًا في الغالب، لكنّها تُقرأ وتُتداول على كلّ حال)، فمن أين جاءت صورة الفارس الوحيد الذي جاء ليُحرر الفِكر من سجونِ «الفقهاء»؟ والأعجب في الأمر أنّ ابن رشد ذاته فقيهٌ مالكيٌّ، وهو صاحب «بداية المجتهد»، ولو أخبرت الحداثيّ أنّ فيلسوفه العلماني هذا يرى، شخصيًا، بأنّ المرتدّ يُقتَل لرماك بالكذب والافتراء على إمامه المُتنوّر! ولك أن تعلم أنّ هذه الصورة المُتوهّمة لم تنبت في أرضنا أصلًا، وإنّما هي صنمٌ نحتته حركة «الرشديّة اللاتينيّة» في أوروبا القروسطيّة؛ إذ أخذوا شروحه مُجرّدةً عن سياقها، وسلخوه من عمامة القضاء وفقه مالك ودينِ الإسلام، ليصنعوا منه بطلًا علمانيًّا يُلائم معركتهم مع الكنيسة. فجاء مُتثاقفونا فاستوردوا هذا المسخ اللاتينيّ، وراحوا يتباكون عليه.
ولا غرو أن يصير ابن رشد سلاحًا في يد الغرب في القرن التاسع عشر، حين أراد أن يُثبت رؤيته العنصريّة القائلة بأنّ «العقل الساميّ» عاجزٌ بطبيعته عن التفلسف والنظر المُجرّد. فزعم إرنست رينان في محاضرته المشهورة أنّه بموتِ ابن رشد «انتصر القرآن على العقل»، وأنّ الإسلام خنق الفلسفة في مهدها. فاسأل نفسك: لماذا تغافل رينان عن أنّ مشروع ابن رشد كان في صميمه مُنافحةً عن التوفيق بين الحكمة والشرع، ولم يزعم قط هدم القرآن؟ إنّه يخالفُ صريح فكر الرجل ليُوافق هواه العنصريّ، ويجعل منه شاهدًا على دعوى كان ليُكذّبها الجل المعنيُّ لو سألته. ثمَّ إنّ ابن رشد كان في عمله شارحًا لأرسطو أكثر منه مُبدعًا؛ فلم يُضِف إلى الفلسفة إضافةً أصيلةً تُسوّغ ذلك التباكي الرينانيّ. وهو — بلا شكّ — فيلسوفٌ عظيم من طرازٍ رفيع، لكنّ في المسلمين مَن هو أعظم منه نظرًا وأدقّ برهانًا، وبعضهم كانَ معاصرًا لصاحبنا، وأشدَّ جرأةً منه في الفلسفة (مثل ابن الطفيل، صاحب «حيّ بن يقظان»)؛ إلّا أنّ أولئك لم يُسجَنوا ولم تُحرَق كتبهم، فتعذّر تسليحهم في معركة رينان!
كما يصحُّ أن يُقال لهؤلاء المُتباكين على محنة ابن رشد (التي دامت سنتين لا أكثر، بالمناسبة) لماذا لا تذكرونَ أنّ الدولة الموحّديّة لم تكن نموذج «الدولة السنّيّة» اللئيمة التي تُطارد العقل كما يحلو لكم تصويرها عند ذِكرِ الرَّجل ومِحنته؟ وقد كان في البلاط الموحّديّ منجّمون، وأنتم تعرفون شدّة أهل السنّة — سيّما المالكيّة — على أصحاب هذه الصنعة. ثمّ إنّ حرق كتب ابن رشد (وتذهبُ طائفةٌ من المُحقّقين إلى تكذيب واقعة الحرق من أساسها، وردّها إلى مُبالغات المُترجمين وولع كتبة السِّيَر باختلاق المحن) تزامن مع حرق كتبٍ للمالكيّة في الفقه والحديث. فلماذا لا يتباكى أحدٌ على «الموطّأ»؟ الجواب واضحٌ فاضحٌ: لأنّ «الموطّأ» صنعة مالك الفقيه العربي، ومُؤلّفات ابن رشد شروحٌ على أرسطو الفيلسوف اليوناني.
وزد على هذا أنّ لمحنته أسبابًا سياسيّةً محضة يتغافلُ عنها أصحاب الرواية الملحميّة؛ فقد كان ابن رشد يُصاحب أبا يحيى شقيق الخليفة، وكان الرجل خصمًا مُنافسًا في البيت الحاكم، فدخل أبو الوليد في حبائل الصراع على السلطان. وزاد الطين بلّة ما ذكره في بعض كتبه من أنّه رأى الزرافة «عند ملك البربر»، وهذه عبارةٌ فيها غضٌّ صريحٌ من مقام الخليفة (والعجيبُ المضحكُ أنّ من نافح عنه في ذلك المجلس رجلٌ أشعريٌّ متكلّم، أي من الطائفة التي كان ابن رشد يهزأ بها في كتبه!).
وممّا زادني قناعةً بما ذكرتُ من مبالغات المعاصرين في محنة الرجل أنّي وقفتُ بعينيّ على كتاب «عنوان الدراية فيمن عُرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية» لأبي العباس الغبرينيّ (ت٧١٤هـ)، ففي ترجمته لأبي عبد الله محمد الفهريّ، المعروف بـ«الأصوليّ»، ذَكَر: «وكان بينه وبين القاضي أبي الوليد ابن رشد إخاء وصفاء، ولما وقعت الواقعة التي تكلم عليها أبو الوليد في كتاب «الحيوان» له حيث قال: «رأيت الزرافة عند ملك البربر» وهم أمير المؤمنين بالفتك به، لم يكن سبب نجاته غيره مع موافقة القدر، وتسبب في ذلك بوجهين، احدهما كان جرى بمجلسه أمير المؤمنين منع العمل بالشهادة على الخط، ولما وجد هذه القضية هم بالعمل بها، فحاج أمير المؤمنين وقال له: منعتم الشهادة على الخط في الدرهم والدينار وتجيزونها في قتل المسلم، والوجه الثاني إنه قال: إنما الكتب «رأيت الزرافة عند ملك البربر» وإنما جاء فيه زيادة ونقص وهذا أحسن، وكل ذلك من قوة الجأش.» فهذا خبرٌ يوافقُ السائِّد عند المعاصرين من التفصيل في الأبعاد السياسية لمحنةِ ابن رشد، ذكره مؤرّخٌ هو للقرن الذي وقعت فيه الحادثة قريبٌ جدًا.
فليقارن القارئ هذا بما ذكره عادل نويهض، في كتابٍ حديث، هو «معجم أعلام الجزائر» (ط٢، ١٤٠٠هـ-١٩٨٠م)، وليحكم! فقد ترجم نويهض للرجل نفسه (الفِهري)، فذكر: «ولما امتحن ابن رشد سنة ٥٩٣هـ محنته المشهورة من أجل نظره في علوم الأوائل امتحن معه المهري ثم عُفي عنه.» ولتتغافل، يرحمكَ الله، عن الغلطِ الشنيع في النسبة حيث سمّاه «المهريّ» بدل «الفهريّ»، والنسبة الأصح إلى فهرٍ، ولتنعمِ النظر في حذفهِ خبر الزرافة برمّته، وإبداله بعبارةٍ مُبهمة فضفاضة: أنّ ابن رشد امتُحن «من أجل نظره في علوم الأوائل»! فهذا خبرٌ قديمٌ يروي تفاصيل حادثةٍ سياسيّةٍ ثابتةٍ بتفاصيلها عند مؤرّخٍ قريب العهد بها، ولكنّه صارَ، بقدرةِ قادرٍ «محنةً فلسفيّةً» عند كاتبنا المتأخّر، والذي لم يكلّف نفسه أصلًا عناء الرجوع لأصل الخبر، فرمى بالسببِ المذكور وراء ظهره، وأبدله بالرواية المُحبَّبة إلى نفوس أهل عصره!
أفلا يستحقّ هذا التحريف، الواقعُ في نسخةٍ لا تبعد عنّا زمنًا، أن نتوقّف عنده متعجّبين، ونردّد قول ربّنا: ﴿فَمَا لِهَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾؟
نِهايةُ المعركة، والتكفيرُ الرُّشدي
إنّكَ لو تركتَ هذا كلّه جانبًا، ونظرت في أصل النزاع مُنصفًا، مُتجردًا عن الهوى، لقلت إنّ الغزاليّ غلب في المسألة؛ نعم، غلب. ولا أقولها تعصّبًا علمَ الله، وإنّما هو حُكمُ موازين المنطق المُجرّد. ذاك أنّ أبا حامدٍ وجّه معوله إلى أُسس الإبستيمولوجيا المشّائيّة ورفضِ ادّعاءها «الضرورة» في الطبيعيّات، فقُدِّر لردِّ ابن رشد أن يكونَ غارقًا في «المُصادرة على المطلوب»؛ إذ راح يُحاجج الغزاليّ بمُقدّمات أرسطو التي لا يقيم لها الغزاليّ وزنًا أصلًا! ومن رام تفنيد خصمٍ شكّك في أصوله، فلا يجوز له أن يجعل تلك الأصول عينها حُجّةً في الرد (فأنت، مثلًا، لا تقول لمُلحدٍ يُنكر القرآن والنبوة رأسًا: «قرائِن وجود الصانع أنَّ القرآن يقول كذا»). والحقّ أنّ ابن رشد لم يكن أصلًا يُناظر الغزاليّ — لانشغاله بتسخيفِ مقالات الأشاعرة — بقدر ما كان يتلو «آيات» أرسطو على مسامع رجلٍ كفر بها لتَوّه. وهذا هو مقتلُ «تهافت التهافت» في ميزان الفلسفة؛ فقد طالبه الغزاليّ بالدليل المُستقلّ على حتميّة العلّيّة، فأجابه ابن رشد بأنّ إنكار العلّيّة يُبطل العلم، لأنّ العلم عند «المعلّم الأوّل» هو معرفة الأسباب!
وإن كان أبو حامدٍ قد أوقع التكفير صراحًا في ثلاثِ مسائلَ بعينها، فيُحفظ للرجل وضوحُ مأخذه وميزانه؛ فقد بيِّن حُجته وقصر حُكمه على مقالاتٍ تنسف أصول الملّة من القواعد. فما قولك لو أُنبئتَ أنّ ابن رشد — عُمدة الفكر الحرّ ومظلوم الحداثة الأوّل — قد أعمل سيف التكفير في رقبة من انتهج منهجَ الغزالي، متوسّلًا في ذلك بقياسٍ طبقيٍّ نخبويٍّ صِرف؟
نعم، لقد أسّس ابن رشد — عفا الله عنه — في «فصل المقال» لقاعدةٍ معرفيّةٍ تقضي بأنّ إفشاء «التأويل» لغير أهله مُوجِبٌ للكفر؛ ومأخذه في ذلك أنّ «العوامّ» (ولا شكَّ أنّك تعلم معنى العوام في نظرِ الفلاسِفة الآن) تقصر أفهامهم عن إدراك المعاني الباطنة، فمتى سُلبوا ظواهر النصوص أداهم ذلك إلى الإلحاد، وفاعلُ هذا كافرٌ لتسبّبه في إضلالهم. ثمّ تراه يُلمِّح ويذكرُ الغزالي عينًا، ويرى أنّه قد هتك الستر المُحرّم، وبثّ أسرار الفلسفة ودقائق المعاني في مُصنّفاته المبذولة للجمهور، فأوقع الناس في أمواج الحيرة. فصنيعُ أبي حامدٍ هذا — بمقتضى اللزوم المنطقيّ والفقهيّ عند ابن رشد — كفرٌ صراحٌ.
فانظر واحكم أنت، فأبو حامدٍ يُكفّر بمُوجب مُصادمة النصّ القطعيّ، وفيلسوف التنوير يُكفّر بمُوجب إشاعة المعرفة وتجاوز أسوار النُخبة. فليتَ شعري، في ميزان العقل المُنصِف، أيّ الرجلين أشدّ حجرًا على الفكر، وأيّهما أحقّ بصفةِ التسلّط والكهنوت التي يتراشقها مُثقّفونا اليوم؟
ثمّ إنّ الحداثيّين يحلو لهم أن يزعموا أنّ أوروبا «قدّرت» ابن رشد حيث نبذه المسلمون، وأنّه قاد نهضتها وتطوّرها. وهذا كذبٌ بواح؛ ذاك أنّ الرشديّة (وهي مدرسةٌ صغيرةٌ محدودة الأتباع، للعِلم فقط) كان يُنظَر إليها في عصر النهضة الأوروبيّة على أنّها مذهبٌ مُتخلّفٌ واهنٌ عاداه رجال الكنيسة ودُعاة النهضة جميعًا في صعيدٍ واحد. فمن جهة رجال الكنيسة يكفينا ذكرُ توما الأكوينيّ، والرجل كان بحقّ رأس اللاهوت الكنسيّ، فقد صنّف كُتبًا لنقضِ مقالات الرشديّين اللاتين وإبطال قولهم بوحدة العقل. ثمَّ لمّا أطلّ عصر النهضة الأوروبيّة، كان أئمّة النزعة الإنسانيّة، كبترارك، ينظرون إلى ابن رشد بوصفه رمزًا للتخلّف والهمجيّة وعقم القرون الوسطى، بل ويصفونه في رسائلهم بـ «الكلب العقور». فأوروبا في نظر علماءهم إنّما نهضت يوم تجاوزت صاحبنا وألقت بشروحه في غياهب النسيان، فجاء أيتامُ الحداثة عندنا وتجمعوا حول هذا الفُتات، وصنعوا منه صنمًا يُعبد في محافل التنوير المُزيّف.
ماذا حدثَ للمعتزلةِ بزوال السلطة حقًا؟
أحبُّ أن أضيفَ تعقيبًا على مسألةٍ رأيتُ كثيرًا من «الحداثيّة» يتغنون بها، المِحنة و«انتصار الحنابلة»، يقولُ هذا الحداثي المُثقف — مُنتحبًا —: لقد بدأ الفكر الجريء ينطفئ بعد «الخلافِ» (وهو حريصٌ على تجنب لفظة «فِتنة» أو «مِحنة») في مسألةِ خلق القرآن، وخمد بالكامل بعد صدور «التهافت»؛ وهذه دعوى يُنكرها الشاهد التاريخيّ على نحوٍ لا يقبل المُماحكة. وربما ساء هذا مَن يزعمون أنّ الفكر المعتزليّ مات بختام المحنة — أعني إبعاد المعتزلة عن السلطان الذي حاولوا بذراعه أن يحملوا الفقهاء والمُحدّثين على مذهبهم قسرًا. والحقّ أنّ هذا الصنيع بعينه، لو أتاه فقيهٌ لما سكت عنه أحدٌ من هؤلاء المُتباكين على «حرّيّة الفكر»، ولسمعنا الرجّة في شناعة الفقه و«مشايخ السلطان»؛ فالميزان عندهم يخفّ ويثقل بحسب صاحب اليد، وإن كان كلامه يتوافق مع الرؤية الحداثية الغربية.
وقد ظلّ فكرُ المعتزلةِ حيًّا نابضًا بعد زوال دولتهم السياسيّة؛ حتّى إنّك لترى في مجلس عضد الدولة فناخسرو البويهيّ قاضيَ قضاته معتزليًّا، يهزأ بالأشاعرة وأهل الحديث المُثبِتة عامّةً، ويُثني على مذهبه ويرفع من شأن رجاله. فالاعتزال بقي مذهبًا للنُّخبة القضائيّة والكلاميّة قرونًا بعد المحنة، فالأفكار، عزيزيّ الحداثيّ، لا تموت بزوال حاملها من كرسيّ الحكم. والذي جرى في الحقيقة أنّ الفكر العربيّ والإسلاميّ إنّما بلغ طور نضجه بعد «التهافت»؛ فصرنا نرى «فلاسفة» بالمعنى الفعليّ الحرّ ينتقدون أرسطو وابن سينا معًا، كأبي البركات ابن ملكا البغداديّ صاحب «المُعتبَر»، الذي نقض كثيرًا من أصول الطبيعيّات المشّائيّة نقضًا مُستقلًّا، وعُدّ من أجرأ من ردّ على الشيخ الرئيس في زمانه.
وهذا ابن أبي الحديد المدائنيّ، وكان من غلاة المعتزلة وأشدّهم جهرًا بعقيدته، قد صنّف في مناقضة الأشعريّ والغزاليّ والرازيّ كتبًا ومواقف، وله في «شرح نهج البلاغة» من الآراء الاعتزاليّة المنثورة ما لا يُحصى مع الشغل. وقد أنشأ حين أتمّ شرحه، وبعث إليه الوزير ابن العلقميّ بصلته وخِلعته، قصيدةً يُصرّح فيها بمذهبه أعزّ تصريح، وستلاحظ أنّه لم يترك من المدحِ شيئًا لم يخلعه على جماعته، ولم يترك من الذمِّ في الأشاعرة مثقال ذرة كذلك:
أيا ربّ العباد رفعتَ ضبعي
وطلتُ بمنكبي وبللتُ ريقي
وزَيغ الأشعريّ كشفتُ عنّي
فلم أسلك ثنيّات الطريق
أُحبّ الاعتزال وناصريه
ذوي الألباب والنظر الدقيق
فأهل العدل والتوحيد أهلي
ونِعم فريقهم أبدًا فريقي
ولا يخفى عليك ما في أبياته من الجرأة، خصَّ في وصف مذهبٍ كان، في زمانه ذاك، لا يُزاحمه في العالم الإسلاميّ سيطرةً وانتشارًا إلّا مذهب الحنابلة، ومع ذلك جهر بتزييفه على رؤوس الأشهاد، غير هيّابٍ ولا مُتّقٍ، ورمى أهله بلفظ «الزَّيغ» الذي لا يُطلقه الرجل إلّا على الضلال البيّن عن جادّة الحقّ؛ فهل يُخيَّل إليك أنّه كتب هذه الأبيات في مجلسٍ سرّيّ؟ بل أنشدها جهارًا لوزير دولة الخلافة العباسيّة، فباهى بها وتفاخر، ولم يخشَ من فقيهٍ لسانًا ولا من سلطانٍ سطوة.
خرافةُ الانحطاط: كيف ازدهرَ العِلمُ بعدَ موتِ «الفلسفة»؟
كما أنّ العلوم التجريبيّة لم تبلغ منتهاها عند تلك اللحظة كما يُصوّر لك أصحاب رواية الأفول؛ بل الحاصل أنّ أعظم منجزات العلم الإسلاميّ إنّما جاءت متأخّرةً عن العصر الذي يزعمون أنّه كان ذروة النضج قبل أن يخنقه «التهافت» وسلطان الحنابلة! فبرز في القرن السابع الهجريّ ابن النفيس مُكتشف الدورة الدمويّة الصغرى (وسبقُه في هذا مقطوعٌ به عند مؤرّخي العلم)، وكان كذلك فقيهًا شافعيًّا، يُقرئ أصول الفقه في مدارس القاهرة، وابن زهر صاحب «التيسير»؛ ويرى بعض الباحثين أنّ هذين تجاوزا الرازيّ وابن سينا في دقّة الملاحظة السريريّة وتحرير المسائل العمليّة. ولا مشاحّة في أنّ هذا كلّه وقع في القرون التي يُفترَض فيها أنّ «الفقهاء خنقوا العقل».
وأعجب من هذا أنّ الحركة العلميّة لم تتوقّف حتّى بعد سقوط بغداد سنة ست وخمسين وستّمائة، وهو الحدث الذي يعُدّه كثيرون خاتمة العصر الذهبيّ ونهاية كلّ نظرٍ خصيب. فها هو نصير الدين الطوسي، ومؤيّد الدين العُرضيّ، وكذلك ابن الشاطر، وهؤلاء من مدرسة الرصد التي طوّرت نماذج فلكيّةً بديلةً عن التركيب البطلميّ (وقد ثبت عند دارسي تاريخ الفلك أنّ مزدوجة الطوسيّ وتقنيات ابن الشاطر — «رئيس المُوقّتين» في الجامع الأمويّ بدمشق — انتقلت إلى كوبرنيكوس، حتّى إنّ بعضهم يجعلها ركنًا في نموذجه). وفي النبات والصيدلة نرى ابن البيطار صاحب «الجامع لمفردات الأدوية والأغذية»، الذي بقي مرجعًا معتمَدًا في أوروبا قرونًا بعده. ولو أخذنا في تعداد أمثال هؤلاء لطال المقام وما بلغنا الغاية.
والمعلومُ أنّ هذه الوثبة الفلكيّة لم تأتِ إلا بتخلّص الفلكيّين من ذلك الخلط الذي ذكرنا محاربة الغزاليّ له، أي خلط يقينيّات الرياضة بظنيّات الإلهيّات. فأرسطو حمّل الأفلاك عبء ميتافيزيقاه كلّها؛ فجعل لها نفوسًا، وغاياتٍ، وعلّةً أولى تُحرّكها حبًّا واشتياقًا، وربط صحّة النموذج الرياضيّ بصحّة هذا التصوّر الإلهيّ عن العالم. ثمَّ أتى فلكيو عصر «ما بعد التهافت» فعزلوا المسألة الرياضيّة المحضة (كيف نصحّح خلل «المُعادل» عند بطليموس لتستقيم الحركة الدائريّة المُنتظمة حقًّا؟) عن كلّ التزامٍ ميتافيزيقيٍّ بحقيقة تلك الأفلاك ككائناتٍ حيّة ناطقة. وأنتجوا بذلك نماذج أدقّ لأنّهم حرّروا الحساب من عبء الإلهيّات، فهذا هو المأخذ الذي بيّنا كيف أقامه أبو حامدٍ على القوم من أوّل الأمر: ألّا يُحمَّل اليقين الرياضيّ ثقل الدعوى الغيبيّة، فلكلِ مقامٍ مقال.
وليس في مناهج النظر أقبح من تجاهل هذا الركام من الحقائق التاريخيّة التي تُفسّر تراجع العالم الإسلاميّ تفسيرًا مُركّبًا — أعني عوامل السياسة والاقتصاد والحملات الصليبية والغزو المغوليّ وانحسار طرق التجارة وتفكّك الوحدة السياسيّة — لمُجرّد ردّ الأمر كلّه إلى بيتٍ واحدٍ سهل: «قتلُ الفلسفة» و«تسلّط الفقهاء».
وَفي الختام، الدوغمائيّة لا دينَ لها.
الدوغمائيّة حقيقةٌ راسخةٌ في الطبائع البشريّة، يُقرّ بها كلّ من نظرَ وخالط الناس؛ وهي التي تحجب عن كثيرين استيعاب مسائلَ بديهيّةٍ عند المُحقّقين، من جنس أنّ العقيدة والمذهب الفقهيّ يجريان في مجريين مُتمايزين وقد يجتمعان في الرجل الواحد كما تجتمع لفظتا «طويلٍ» و«حاذِق» في الرجل ذاته. فقد يكون المرء سنّيًّا حنفيًّا أو شافعيًّا في الفروع، ويأخذ بمذهب المعتزلة في الأصول؛ وهذا يُطابق حال جماعةٍ من أعلام الاعتزال بعد المحنة، في طور النُّضج الذي أسلفنا ذكره. فالزمخشريّ صاحب «الكشّاف» كان حنفيّ الفقه معتزليّ الاعتقاد، والقاضي عبد الجبّار كان شافعيًّا في فروعه معتزليًّا في أصوله.
ثمّ إنّ ما جرى من خلافٍ بين الأصوليين (من فقهاء ومُتكلمين) في مسائلَ بعينها يبقى خلافًا داخليًّا في فروع النظر، فلا يستقيم صنيعُ بعضِ المتشدقين بالفلسفة من حمله على عداوةٍ مُفترَضةٍ بين الإسلام والعقل جملةً؛ فالعقل شرطٌ في التكليف أصلًا، وهو من أجلّ نعم الله على عباده وأشرف ما مُيّز به الإنسان. ومثله القول في الكلام والفلسفة إذا انتقدها بعضُ المُسلمين؛ فهما صناعتان في ذاتهما، تحتملان الحقّ والباطل بحسب مُستعمِلهما. ومن رام نقد الفلسفة، أو زعم خِلافٍ بين الشريعة والعقل، فاكتفى بنقل عبارةٍ لعالمٍ ذمّها، فهو حاطبُ ليلٍ جاهلٌ بدلالة اللفظ في سياقه التاريخيّ، وجاهلٌ بمقاصد الشريعة ذاتها. والمنطقُ ومعه الكلامُ والفلسفة آلاتٌ قد تُسخَّر في الخير كما تُسخَّر في الشرّ، وربطها بالإلحاد والكفر إنّما يخدم الملاحدة قبل غيرهم؛ إذ يُسلّم لهم بأنّ البرهان حكرٌ عليهم، ويُخلي ساحة النظر العقليّ لأهل الجحود وحدهم، فتجدُ مُراهقًا ألحدَ لأنَّ وقتَ صلاةِ الفجرِ لا يعجبه، ينفخُ صدره، ويمطُّ عبارته، ويُعدّلُ نظّارته، ثمّ يقولُ مُتشدقًا: «لقد قتلتُ الإله، وإنّما الإلهُ وهمٌ اخترعناه لأننا نخاف من العدم».
والظريف أنّ هذه الآفة تُصيب المُتفلسفين بمقدار ما تُصيب المُتديّنين و«الأورثوذكس»، بل ربما أشدّ. وأسوق في هذا واقعةً حضرتُها بنفسي. وكنتُ يومها في حلقةٍ نقاشيّةٍ فلسفيّةٍ أرشدت إليها معلّمةٌ فاضلةٌ جزاها الله خيرًا، وكانت معي زميلةٌ ما رأيتُ في عمري أقسى منها لسانًا في نقد كلّ ما يُوصَف بـ«التقليديّ» (أي الدينيّ)؛ وهي من القائلين بتكافؤ الأدلّة، شديدة التعظيم للرازيّ الطبيب لِما نُسِب إليه من ردّ النبوّات — وهو نسبٌ يعجز مُدّعيه عن إقامة دليلٍ واحدٍ عليه بأيّ وجه، ولنا في خبرِ الرَّازي كلامٌ كثير نشرنا طرفًا منهِ في موضعٍ آخر ولعلّنا نفصلُ فيه لاحقًا، إذا شاء المولى. وكانت تعرض عن نقد الفلاسفة له، كتحسّر ابن سينا المرير حين تمنّى لو أنّ الرازيّ قنِع بفحص قوارير البول وأمسك عن الخوض في الإلهيّات، وتُغمض عينيها كذلك عن مطاعن التجريبيّين فيه، كالبيرونيّ وابن الهيثم؛ إذ يكفي عندها أن يُنسَب إليه قدحٌ في النبوّة ليصير نموذج العقل البشريّ الخالص.
فأحببتُ مُمازحتها، وقد جرى ذكر الدوغمائية في المجلس، فقلت: من هذا القبيل ما وقفت عليه في كتب أحد المُحدّثين، أظنّه ابن سالم الحنبليّ (والاسم جئتُ به من «كيسي» كما يقولون)، حيث ذكر ما معناه: «إذا اتّفق أحمد والشافعيُّ على شيءٍ فمن العسير على العقول أن تخالفهما، وإذا اختلفا فمن الصعب جدًّا إدراك الحقّ». فأشرق وجهها وأخذت تضحك ظافرةً وقالت: هذا بعينه عيب الفكر الإسلاميّ، تقديس الرجال إلى هذا الحدّ! فقلت — وقد غلبتني الدهشةُ حتى ظننتني في حلم —: سبحان الله، هذا كلام الرازيّ الطبيب في جالينوس وأرسطو! يقول نقلًا عنه: «إذا اتّفق أرسطوطاليس وجالينوس على شيءٍ فمن العسير على العقول أن تخالفهما، وإذا اختلفا فمن الصعب جدًّا إدراك الحقّ». فتغيّر وجهها والتزمت الصمت وعزّ عليها الجواب.
والشاهد من الحكاية أنّ الدوغمائية فخٌّ منصوبٌ لكلّ عقل، ينصب لصاحب العمامة كما ينصب لصاحب الأطروحة الحداثيّة سواءً بسواء. وكلاهما، إذا قدّس مقالةً أو مسألةً لأجلِ قائلها، يشرب من عينٍ واحدة: تعظيم القائل حتّى يُصادَر به القول، وتقديس الشخص حتّى تُعطَّل به الحجّة. وأكثر المُتسربلين بالفلسفة في زماننا دوغمائيون بجدارةٍ من هذا الطراز، وما أشبههم بالرازيّ في تقديس كلّ ما هو «آخر»، أعني الغربيّ واليونانيّ؛ فهم يزِنون القول بمصدره، ويقيسون صدقه بلسان قائله وموطنه، فإن جاء من المشرق الدينيّ ردّوه، وإن جاء من المغرب العلمانيّ قبلوه على علّاته. وهذه هي الوثوقيّة عينها التي يرمون بها خصومهم، ولكنّها تسربلت بلبوس التنوير، وتنكّرت في زيّ الشكّ المنهجيّ، فهي مقبولةٌ ولا غبار عليها.
والمُستقيم الذي لا خلاف فيه أنّ ميزان الحقّ يبقى واحدًا في كلّ الجهات، أعني بهذا قوّة البرهان وسلامة النظر، بمعزلٍ عن هوى المُتكلّم ونحلته. فمن أراد أن يبرأ من الدوغمائية حقًّا، فسبيله أن يُخاصم أصنامه هو قبل أن يعمدَ بهدمِ أصنام غيره، وأن يزن ابن سينا والغزاليّ والرازيّ وأرسطو وأفلاطون وزينون بذاتِ الميزان، لا يحابي مشرقيًا لمشرقيّته ولا مغربيًا لمغربيّته. وهيهات أن يفعل ذلك من صيّر «الآخر» حُجّةً قائمةً بذاتها، واجبةَ الوجودِ بحيثيّاتها، لا يُسائلها ولا يقف عندها؛ فصاحب هذا الحال يُقيم في سجنٍ بناهُ بنفسه، ولا سبيلَ لنجاتِه إلا بحبسه في حُجرةٍ مع مؤلفات ابن تيمية! (والله إنّها لمُزحة، فلا ترموني بالـ«دوغمائيّة»).

